رواية التوأمتان أثير وأسيل الفصل الاول 1 بقلم سلمى محمد
البيت البسيط حيث تعب الجدران يعلو على أي ديكور كانت أثير تمشي ذهابا وإيابا وهي تحمل يحيى بين ذراعيها طفل لا يتجاوز العامين يبكي بلا توقف كأنه يعبر عن كل ما لا يقال
تهزه برفق تصدر همهمات ناعمة تحاول تهدئته بينما صوت خالتها تحية يعلو من خلفها بنبرة لا تخلو من اللوم
عجبك حالك كده يا أثير لحد إمتى هتفضلي ترفضي كل عريس بيتقدم لك
أثير لم تلتفت لكنها ردت وهي لا تزال تهدهد الطفل
عارفة كويس أنا برفض ليه يا خالتي
مفيش واحد فيهم عايز يربي يحيى كأنه ابنه
تحية تنفست بضيق وجلست وهي تشبك ذراعيها
آخر واحد عرض عليك تتجوزيه وقالك صريح أنا هتكفل بالولد وهعامله زي ابني تماما
أثير نظرت إلى خالتها أخيرا نظرة حزن
كان بيكدب
بيقول كده دلوقتي بس بعد الجواز
هيقول لي ارميه عند أي حد
أنا مش هجازف بيحيى مش هسمح لحد يستخدمه وسيلة عشان يوصل لي
تحية باستغراب
وإنتي عرفت منين إنه بيكدب
أثير بصوت خافت لكنها واثقة
إحساسي وعمره ما خيبني
تحية رفعت حاجبها باستياء
يعني عاجبك شكلك ده وشك مصفر جسمك هزيل وسنين شبابك بتضيع وانتي لسه في عز شبابك
بلاش تدفني نفسك بالحياة
أثير شهقت بصمت حضنت يحيى أكثر كأنها بتحميه من كلام خالتها
ويحيى
ذنبه إيه
اتولد يتيم محروم
مش هفرط فيه عشان ألبس فستان فرح
صمتت تحية لكنها لم تحتمل طويلا
كأن الوجع المخزون في قلبها وجد ثغرة للانفجار
أمك هي السبب في كل ده
ما سمعتش كلام الدكاترة قالوا لها الحمل خطر والجنين لازم ينزل
بس دماغها كانت ناشفة
أنا قلت ليها أبوك اتوسل لها وبرضه ما رضيتش
وفين النتيجة
ماتت وهي بتولد
أثير دمعت عيناها لكنها حاولت الدفاع
ماما كانت بتقول حرام أقتل روح ربنا هو اللي خلقها
تحية قاطعتها وصوتها يرتجف من الألم والغضب معا
روح إيه ده كان لسه في علم الغيب
هي ماتت
وأبوك مات بعدها بشهور من الحزن
وسابونا لوحدنا
أنتي وأسيل والولد ده كلكم بقيتوا أيتام
وانتي سبتي المدرسة وانتي من الأوائل
ودلوقتي قاعدة في البيت عمرك بيضيع على طفل لسه ما نطقش كلمة ماما
أثير بصوت مرتعش والدموع تحرق خديها
حتى أنتي كمان يا خالتي
هتيجي عليه
هو ناقص
مش كفاية إنه اتولد محروم من حضن أمه
أنا بعمل اللي أقدر عليه بحاول أعوضه
تحية خفضت عينيها للحظة ثم همست والدموع تملأ صوتها
أنا مش زعلانة منك
أنا موجوعة
أمك أختي ماتت قدامي
كانت عنيدة بس كانت طيبة
وحشتني
سميرة وحشتني
أثير لم تحتمل انفجرت باكية
وأنا كمان ماما وبابا
كل ليلة بفتكرهم
تحية مسحت دموعها سريعا كأنها تخجل من انكسارها
بس خلاص كفاية كده
ما تزعليش مني عشان فتحت السيرة دي
خلينا في المهم
لقيتي شغل ولا لسه
أثير تنهدت وقالت وهي تمسح دموعها بطرف كمها
لسه كله طالب مؤهل عالي أو دبلوم وأنا مكملتش تعليمي علشان يحيى
وإنتي ما كنتيش تقدري تشيلي الحمل لوحدك يا خالتي
تحية أومأت برأسها بصمت ثم قالت بقلق
حاولي تدوري الفلوس اللي معانا بتخلص بسرعة
أثير ترددت ثم قالت بحذر
أنا كنت بفكر أخلي أسيل تشوفلي شغل
انفجرت تحية كأنها أصيبت بصفعة
أوعي تجيبي سيرة أسيل تاني
وانسي إن ليكي أخت
أثير نظرت إليها بذهول
إزاي يعني
أنا مقدرش مقدرش أنسى أسيل
تحية بصوت حاد
هو أنتي نسيتي أختك عملت ايه نسيتي إنها هربت من البيت بعد أربعين أبوك بيوم
نسيتي راحت اشتغلت إيه
همست أثير كأن الكلمة ثقيلة على لسانها
عارضة أزياء موديلز
تحية بسخرية مرة
موديلز
هي كده بالظبط بس دي بنتنا
أثير حاولت تهدئ خالتها وعيناها تلمعان بحزن
دي بقت مهنة محترمة يا خالتي
مش أي حد بيحضر عروض الأزياء دول ناس راقية و أغنياء
تحية
أغنياء إيه وناس راقية إيه
دي مهنة مش كويسة
أنا من يوم ما مشيت نسيت إنها بنت أختي
ثم أردفت بمرارة أكثر والخذلان واضح في نبرتها
أنا مش مصدقة الكلام اللي بتقوليه
هي عرفت تغسلك دماغك
خلاص بقينا في زمن البدع الحرام حلال والحلال حرام
أثير خفضت عينيها وهمست بصوت مكسور
أنا عارفة يا خالتي عارفة الكلام ده كويس
تحية وقد اشتد غضبها
مدام عارفة بتدافعي عنها ليه
مش بدافع أنا بس بحاول ألاقي ليها عذر
يمكن تكون تايهة يمكن ربنا يهديها في يوم
ادعي لها يا خالتي ادعيلها من قلبك
تحية نظرت إلى أثير طويلا ثم قالت بصوت خافت لكنه صادق
أنا والله بدعي لكوا أنتو الاتنين
قلبي بيتقطع عليكم
ربنا يهدي أسيل وترجع عن السكة اللي ماشية فيها
لكن فجأة
سكتت تحية
تجمد الكلام على لسانها
عيناها اتسعتا فجأة وهي تبص ليحيى اللي كان
هادي لأول مرة طول الجلسة
نظرتها ما كانتش عادية فيها دهشة ارتباك وتساؤل دفين
أثير لاحظت التغيير في ملامح خالتها وقالت بتوجس
مالك يا خالتي
بتبصي ليحيى كده ليه
لكن تحية ما ردتش كانت بتراقب ملامح الطفل كأنها شافت
توقعاتكم لحلقة بكرة
يا ترى
هل في سر مخفي عن
ولا يحيى قال أول كلمة وكانت صدمة
هل لحظة الصمت دي هتكشف بداية خيط لقلب الحكاية
بانتظار آرائكم