فاطمة بنت حبسها أبوها 15 سنة في كهف ضلمة
لم تأتي إلى العالم كما يأتي الأطفال محمولة على وعد بالحماية أو محاطة بقلوب تنتظرها. جاءت كخطأ غير مرغوب فيه كأثر جانبي لزواج لم يكتمل وكذكرى ثقيلة حاول الجميع نسيانها قبل أن تفتح عينيها.
كان انفصال والديها قد وقع وهي ما تزال جنينا هشا لا يدرك من هذا العالم سوى نبض خافت وصوت بعيد. خرج الأب من الحكاية سريعا كأنه لم يكن جزءا منها يوما وبقيت الأم وحيدة محاصرة باللوم والخذلان ثم ما لبثت أن غادرت هي الأخرى تاركة الطفلة في كنف الجدة المرأة الوحيدة التي حاولت أن تمنحها شيئا يشبه الاستقرار.
كبرت الطفلة في بيت لا يشبه البيوت. لا ضحك لا صور على الجدران ولا أصوات آباء ينادون أبناءهم مساء. كانت الجدة تقوم بما تستطيع لكن الشيخوخة فقر من نوع آخر والعجز لا يعوضه الحب وحده. ومع مرور الوقت صارت الطفلة تفهمبحدس لا يحتاج لغةأنها زائدة عن الحاجة عبء يتنقل من يد إلى أخرى.
وحين بلغت سنا صغيرة بالكاد تسمح لها بتمييز الوجوه عاد الأب فجأة. لم يكن عودته مشفوعة بالندم أو الشوق بل جاءت كقرار بارد كمن يسترد شيئا نسيه في مكان ما. أخذ الطفلة معه دون تفسير دون وداع حقيقي وأودعها بيت زوجته الأولى.
هناك بدأت أولى ملامح الرفض الصريح. لم تضرب الطفلة في البداية لكنها كانت تعامل ككائن غير مرئي. نظرات ضيق كلمات مقتضبة وصمت ثقيل يطحن الروح. وبعد أشهر قليلة أعيدت إلى الجدة مرة أخرى مرفقة باتهامات جاهزة اضطرابات سلوك غريب عبء لا يحتمل.
مرت سنتان إضافيتان والطفلة
كانت تلك اللحظة آخر ما تبقى لها من الطفولة.
بعدها انقطعت الأخبار. اختفى الأب والطفلة معا كأن الأرض ابتلعتهما. بحثت الجدة وسألت الأم التي عادت تسأل بدورها واصطدمت الإجابة النهائية بجدار لا يخترق
انتهى الأمر الطفلة ماتت.
لكن الحقيقة لم تكن موتا.
كانت شيئا أشد قسوة.
في مكان بعيد عن العيون في أطراف لا يقصدها أحد كان هناك كهف مهجور فم مظلم في جسد الجبل لا يسكنه سوى الصمت والرطوبة. هناك اتخذ القرار الذي لا يغتفر. لم يكن قتلا مباشرا بل تركا بطيئا للحياة كي تنسحب وحدها.
أغلق على الطفلة باب حديدي ثقيل ووضع أمامه كلب للحراسة وكأنها خطر يجب احتواؤه لا طفلة تحتاج إلى ذراعين. في الداخل لم يكن هناك ضوء ولا أصوات بشر لا صباح ولا مساء فقط ظلمة متصلة وخوف يتكاثر.
في الأيام الأولى بكت. صرخت. طرقت الباب الصلب بيدين صغيرتين حتى تورمتا. ثم تعلمت الدرس الأول في ذلك المكان لا أحد يأتي.
مر الوقت بلا عد. تحول الجوع إلى شعور دائم ثم إلى عادة. كان الأب يظهر أحيانا يرمي طعاما وماء لا ينظر لا يتحدث ويغادر كما جاء. لم يكن هناك لغة تمارس ولا أسماء للأشياء ولا معنى للزمن. الجسد يكبر والعقل يتقلص.
صار الكلب عالمها
في الخارج كان بعض الناس يرون الأب يذهب ويجيء يحمل الطعام يقف عند الكهف والكلب في موضعه الدائم. الشكوك ولدت لكنها تأخرت. الخوف من التدخل من السؤال من كسر الصمت كان أقوى.
وفي الداخل كانت الطفلة تتحول ببطء إلى كائن آخر بلا لغة بلا ذاكرة واضحة بلا صورة عن نفسها. لم تعد تعرف أنها كانت يوما طفلة. لم تعد تعرف أن العالم أوسع من ذلك الظلام.
كانت تعيش لكن الحياة كانت قد غادرتها منذ زمن.
لم يكن فتح الباب حدثا عاديا.
كان كسرا لزمن كامل وانهيارا لجدار بني من الإهمال والخوف والصمت الطويل.
حين دفع الحديد الصدئ إلى الخلف لم يخرج منه هواء بل رائحة سنوات محبوسة. ظلمة كثيفة حاول الضوء اقتحامها بتردد كأنه هو الآخر خاف مما قد يراه. الذين وقفوا عند المدخل لم يكونوا مستعدين لما ظهر أمامهم.
في عمق الكهف كانت هناك هيئة بشرية بالكاد تشبه البشر. جسد نحيل مغطى بطبقات من الأوساخ عينان واسعتان لا تعكسان فهما ولا دهشة بل فزعا خالصا. لم تصدر كلمة. لم يصدر سؤال. فقط أصوات غريبة حادة متقطعة تشبه نداءات كائن تعلم التواصل بطريقة أخرى.
حاولوا الاقتراب فتراجعت إلى الخلف التصقت بالجدار ورفعت يديها بحركة دفاعية تشبه ما تفعله الحيوانات حين تحاصر. لم تفهم أن هؤلاء بشر. لم
أخرجت بالقوة لا لأنهم قساة بل لأنهم لم يعرفوا كيف يقنعونها. وعندما لامس الضوء عينيها مباشرة أطلقت صرخة حادة وسقطت أرضا تحاول أن تغطي وجهها كأن الشمس وحش آخر جاء ليكمل ما بدأه الظلام.
لم يكن الإنقاذ رحيما كما تخيله الجميع لاحقا.
كان صادما عنيفا بطريقته غير المقصودة.
في السيارة ظلت تصدر الأصوات نفسها. لم تجلس كما يجلس الناس لم تنظر من النافذة لم تمسك شيئا بيديها. كانت تهتز تتنفس بسرعة وتحدق في الفراغ. لم تسأل عن أحد لم تبحث عن أب أو أم لأن تلك المفاهيم كانت قد تآكلت داخلها حتى اختفت.
في مكان الرعاية تجمع الأطباء والمختصون. حاولوا الحديث معها لكنها لم تفهم. حاولوا لمسها فصرخت. حاولوا إطعامها بملعقة فدفعتها بعيدا. كانت تأكل بيديها بسرعة بخوف كأن الطعام قد يسحب منها في أي لحظة.
قالوا إنها تحتاج وقتا.
قالوا إن الدماغ يتأقلم.
قالوا إن الإنسان لا ينسى إنسانيته بسهولة.
لكنهم لم يقولوا كم هو الوقت اللازم لاستعادة خمسة عشر عاما ضاعت في كهف.
مرت الأيام ولم تتحسن اللغة. لم تأت الكلمات. الأصوات فقط نبرات غير مفهومة وحركات جسد تحكي عن قلق دائم. كانت تستيقظ مفزوعة تنام على الأرض ترفض السرير تخاف من الأبواب المغلقة وتلتصق بالحائط إذا أطفئ الضوء.
جسدها كان شاهدا آخر على ما حدث. ضعف شديد في الأطراف تشنجات بصر متضرر لا يحتمل الإضاءة. قال الأطباء إن عينيها لم تخلقا