فاطمة بنت حبسها أبوها 15 سنة في كهف ضلمة
دمر ما تبقى من قدرتها على الرؤية.
أما النفس فكانت أكثر تهشما من أن تفحص.
في الخارج تحركت القضية. سئل الأب. حوكم. جلس في قفص الاتهام بوجه جامد يبرر يلتف يتحدث عن ظروف وضغوط وكأن ما فعله كان قرارا اضطراريا لا جريمة مكتملة الأركان. صدر الحكم أخيرا أقل بكثير مما يتناسب مع حجم الفعل وكأن السنوات التي ضاعت لا وزن لها في ميزان العدالة.
خرج بعدها ليكمل حياته.
أما هي فبقيت حيث وضعت.
تنقلت بين أماكن الرعاية لا كحالة إنسانية تحتاج خطة طويلة الأمد بل كملف ثقيل تتقاذفه الإدارات. في كل مرة كانت تنقل دون فهم دون تمهيد ودون أن يسأل السؤال الأهم ماذا تحتاج فعلا
ظهرت الوعود.
تحدث مسؤولون زارها صحفيون التقطت صور وقيل إن التأهيل قادم وإن العالم لم ينسها. للحظة بدا أن الضوء سيصير دائما هذه المرة.
ثم خفت كل شيء.
الوعود تبخرت. الزيارات توقفت. وبقيت هي في غرفة أخرى بباب آخر وظلام أقل حدة لكنه لا يزال ظلاما. لم تعاد إلى الكهف لكن الكهف لم يخرج منها.
كانت تجلس لساعات تحدق في الفراغ تصدر تلك الأصوات نفسها كأنها صدى بعيد لسنوات لا تزال تعيشها وحدها. لم تعد تنتظر أحدا. الانتظار يحتاج أملا والأمل لم يزرع فيها يوما.
العالم الذي تأخر خمسة
لم يحدث التحول فجأة ولم يأت في هيئة معجزة كما تحب القصص السهلة أن تفعل.
جاء ببطء شديد البطء كالفجر الذي لا يلاحظه الساهرون إلا بعد أن يغمر الغرفة كلها.
في دار الرعاية كانت تجلس في ركنها المعتاد صامتة نصف غائبة عن العالم حين دخلت امرأة لم تكن تشبه الباقين. لم تحمل أوراقا ولم تتحدث بصوت عال ولم تحاول لمسها فورا. جلست على بعد آمن وبدأت تفعل شيئا غريبا لم تفعل شيئا.
مرت دقائق طويلة والمرأة ما زالت هناك تتنفس بهدوء تنظر دون تحديق وتترك الصمت يعمل عمله. للمرة الأولى منذ زمن طويل لم تشعر تلك المقيمة في الركن بأن أحدا يطالبها بشيء.
في اليوم التالي عادت المرأة. وفي الذي بعده.
دون أسئلة دون أوامر دون استعجال.
بعد أسابيع حدث أمر صغير لكنه كان كبيرا بما يكفي ليغير المسار نظرة قصيرة ثابتة غير مذعورة. لم تكن ثقة لكنها لم تكن خوفا أيضا. مجرد اعتراف بوجود الآخر.
فهمت المرأة الإشارة. لم تحتفل. لم تبتسم حتى. فقط واصلت الحضور.
بدأ التواصل من حيث انتهت اللغة الإيقاع. كانت تطرق على الطاولة ببطء ثلاث نقرات ثم تصمت. وفي مرة متأخرة من مساء هادئ تكررت النقرات من الركن البعيد. لم
من تلك اللحظة لم تعد وحدها تماما.
لم تجبر على الكلام. لم يطلب منها أن تتصرف كإنسانة طبيعية. ترك لها الحق في أن تتعلم العالم كما يتعلمه الأطفال لا كما يطلب من البالغين أن يتذكروه. أشياء بسيطة الضوء يخفف الأصوات تهدأ اللمس يقدم كعرض لا كفرض.
تدريجيا بدأت تستقيم في جلستها. بدأت تستخدم يديها لا للدفاع فقط بل للإشارة. لم تكن كلمات لكنها كانت معاني. ماء. تعب. لا.
وفي أحد الأيام حين اقترب كلب الدار منها لم تصدر الأصوات القديمة. جلست مدت يدها ببطء ولمست رأسه. ارتجفت قليلا ثم هدأت. كان المشهد بسيطا لكنه أغلق دائرة مفتوحة منذ سنوات بعيدة.
العلاج لم يصلح كل شيء. بعض الأضرار لا تعود. بصرها ظل ضعيفا وجسدها بقي هشا واللغة لم ترجع كما كانت ينبغي لها أن تكون. لكنها تعلمت بدائلها. تعلمت أن تعبر بطريقتها وأن يفهم ما تقصده دون أن ترهق في الشرح.
الأهم من ذلك أنها توقفت عن الخوف من الأبواب.
اختارت غرفة لها قريبة من النافذة. لم تكن تحب الشمس المباشرة لكنها أحبت فكرة وجودها. كانت تفتح الستارة قليلا كل صباح ثم تعيدها. خطوة صغيرة لكنها كانت قرارا.
لم تعد ملفا منسيا. لم تعد الحالة. صار لها اسم ينادى به
في إحدى الأمسيات جلست المرأة بجوارها وضعت ورقة وقلما على الطاولة وتركتها. بعد تردد طويل أمسكت القلم. لم ترسم شيئا مفهوما. مجرد خطوط متداخلة. ثم توقفت ونظرت.
لم يقل أحد إن الرسم جميل. لم يصفق أحد. فقط قيل لها بهدوء
هذا منك.
كانت تلك الجملة البسيطة جدا أول اعتراف كامل بوجودها كذات لا كضحية فقط.
مرت السنوات. لم تتحول إلى قصة شفاء مثالية ولم تعد كما لو أن شيئا لم يحدث. لكنها لم تعد محبوسة في الداخل. الكهف صار ذكرى بعيدة بلا باب بلا حارس.
في يوم ما جلست في الحديقة والضوء خفيف والهواء ساكن. أغمضت عينيها تنفست بعمق ثم أصدرت صوتا قصيرا مختلفا عن كل الأصوات السابقة. لم يكن كلمة لكنه لم يكن نباحا.
كان صوتا بشريا خرج مترددا لكنه خرج.
لم يلتفت أحد فجأة. لم تصنع لحظة درامية. فقط كتب في التقرير تقدم ملحوظ.
لكن في الحقيقة كان ذلك انتصارا كاملا.
هي لم تختر ما حدث لها.
لم تختر الأب ولا الكهف ولا السنوات المظلمة.
لكنها أخيرا اختارت أن تبقى.
بقيت لا لتثبت شيئا ولا لتغفر ولا لترضي أحدا.
بقيت لأنها وجدت متأخرة مكانا لا
وهذا كان كافيا ليسمى حياة.