حين حُكم على 740 طفلًا بالاختفاء في البحر… وقف رجل واحد ضد العالم

لمحة نيوز

عندما حكم على 740 طفلا بالإبحار في البحر ورفض العالم قال رجل واحد نعم.
كان ذلك عام 1942 والعالم غارق في الحرب.
في بحر العرب كانت سفينة تائهة بلا وجهة محددة تحولت إلى مقبرة عائمة. على متنها 740 طفلا بولنديا. أيتام. منهكون. ناجون من معسكرات العمل السوفيتية حيث مات آباؤهم جوعا وبردا ومرضا.
تمكنوا من الفرار عبر إيران رحلة طويلة أنهكت الأجساد قبل الأرواح لكن ما إن لاحت صفحة المحيط أمامهم حتى اصطدموا بالحقيقة الأقسى لا أحد يريدهم.
لم يكن البحر خلاصا بل امتدادا للتيه.
ميناء تلو الآخر وعلى امتداد ساحل الهند كانت الأبواب تغلق في وجوههم بلا تردد.
سفنهم تقترب إشاراتهم ترفع والجواب واحد بارد متكرر لا يحمل حتى شفقة الرفض.
ليست مسؤوليتنا.
استمروا.
كلمات قليلة لكنها كانت كافية لدفعهم مجددا إلى عرض البحر حيث لا قانون سوى الانتظار.
بدأ الطعام ينفد ببطء قاتل قطعة بعد أخرى.
الدواء اختفى ومعه الأمل في شفاء المرضى أو تهدئة الألم.
الجوع لم يعد إحساسا صار

رفيقا دائما والخوف تحول من فكرة إلى خطر حقيقي ينام بينهم ويستيقظ.
في الزحام بين الوجوه الشاحبة والأجساد المنهكة كانت ماريا ذات الاثني عشر عاما تمسك بيد أخيها الصغير بقوة أكبر من عمرها.
أصابعها النحيلة كانت آخر ما يربطه بالحياة.
قبل أن تموت جعلتهما والدتهما يقطع وعدا مستحيلا.
لم تطلب نجاة الجميع ولا معجزة.
قالت فقط
احمه.
وعد بسيط في كلماته مستحيل في عالم قرر أن يدير وجهه بعيدا.
كيف يمكنك حماية إنسان طفل عندما تختار الموانئ أن تصم آذانها وتختار الإمبراطوريات أن تغمض عيونها
مر الوقت وتحولت المأساة إلى همس يتردد بين البحارة ثم إلى خبر خافت شق طريقه أخيرا عبر المسافات حتى وصل إلى قصر صغير في ولاية غوجارات.
هناك في نواناغار كان يحكم جام صاحب ديجفيجاي سينغجي.
لم تكن نواناغار دولة عظمى ولا قوة تحسب في ميزان الإمبراطوريات.
لم يكن لديه جيش جرار ولا أساطيل تتحكم في البحار ولا سلطة على الموانئ المغلقة.
والأهم من كل ذلكلم يكن ملزما بالتدخل.
لكنه
سمع وفهم وكان ذلك وحده كافيا ليغير كل شيء.

شرح له مستشاروه الوضع بتفاصيله الثقيلة دون مواربة أو تلطيف وكأنهم يدركون أن الحقيقة مهما كانت قاسية لا تحتاج زينة حين تقال أمام رجل يعرف معنى القرار.
قالوا إن سبعمائة وأربعين طفلا عالقون في البحر منذ أسابيع تتقاذفهم الأمواج وترفض الإمبراطورية البريطانية استقبالهم وكأنهم عبء لا يستحق حتى النظر.
رفع المهراجا رأسه ببطء لم يبد عليه الذهول ولا الغضب فقط ترك الكلمات تستقر في المكان ثم سأل بصوت هادئ أقرب إلى الهمس منه إلى الاستفهام.
كم عدد الأطفال
تردد المستشارون لحظة لا لأنهم لا يعرفون الرقم بل لأن تكراره صار مؤلما ثم قال أحدهم وكأنه ينطق بحكم لا رجعة فيه سبعمائة وأربعون.
ساد صمت قصير في القاعة صمت ثقيل لم يكسره صوت ولا حركة وكأن الجميع كان ينتظر شيئا لا يقال بل يولد فجأة في تلك اللحظة.
ثم تكلم المهراجا أخيرا بصوت ثابت لا يحمل تحديا ولا ترددا وقال يستطيع البريطانيون السيطرة على موانئي لكنهم لا يستطيعون السيطرة
على ضميري.

تبادل المستشارون النظرات قبل أن يضيف بهدوء حاسم فلينزلوا في نواناغار.
كلمات قليلة لكنها قلبت ميزان الخوف رأسا على عقب.
حذروه فورا من العواقب من الغضب البريطاني من العقوبات السياسية من فقدان الامتيازات من أن القرار قد يكلفه أكثر مما يتخيل وربما أكثر مما يحتمل.
استمع إليهم جميعا دون أن يقاطع أحدا ثم قال بوضوح لا يحتمل التأويل حينها سأواجههم.
لم يكن تصريحا بطوليا بل قبولا صريحا للثمن.
لم يكتب بيانا طويلا ولم يسع لتبرير موقفه أرسل رسالة واحدة فقط قصيرة بسيطة لكنها كانت كافية لتغيير مصير مئات الأرواح التائهة.
مرحبا بهم هنا.
في أغسطسآب 1942 رست السفينة أخيرا في الميناء بعد رحلة أفرغت الأطفال من كل طاقة وكل أمل وكل توقع حتى صار الوصول نفسه أمرا لا يصدق.
نزل الأطفال واحدا تلو الآخر أجساد صغيرة أنهكها الجوع والخوف وعيون متعبة لم تعد تسأل عن الغد لأن التجربة علمتهم ألا ينتظروا شيئا.
بعضهم كان ضعيفا لدرجة أنه لم يستطع الوقوف دون مساعدة وبعضهم
نسي كيف يبكي وكأن الدموع كانت رفاهية لم يعد يملكها.

لم يهللوا لم يصرخوا لم يركضوا فرحا فقد تعلموا خلال الرحلة أن الموانئ تكذب وأن
تم نسخ الرابط