اعترفت بأن ابنها المفقود في معرض للجـثث: القضية التي تهزّ الولايات المتحدة

لمحة نيوز

اعترفت بأن ابنها المفقود في معرض للجثث القضية التي تهز الولايات المتحدة
بيتسبرغ بنسلفانيا ليست مدينة تنتظر المعجزات بل مدينة من فولاذ شتاؤها طويل وسكانها اعتادوا المضي قدما حتى عندما يثقل شيء ما الصدر بصمت عنيد.
لذلك حين دخلت ليندا ماليستر إلى مركز ديفيد إل. لورنس للمؤتمرات في ذلك التاسع عشر من أكتوبر عام 2024 لم تكن تتوقع أي شيء استثنائي.
كل ما أرادته هو الوفاء بوعد قطعته لحفيدتها ثم مغادرة المكان بأسرع وقت ممكن دون ترك أثر لذلك اليوم في ذاكرتها المتعبة.
كان هواء القاعة باردا ونقيا تفوح منه تلك الرائحة غير القابلة للتعريف مزيج من المطهر والبلاستيك وحشود بشرية متداخلة الأنفاس.
كانت اللافتات تعلن عن معرض الأجساد البشرية باعتباره تجربة تعليمية علمية شبه معقمة خالية من المشاعر أو الأسئلة الأخلاقية الثقيلة.
تعلم كيف يعمل الجسد هكذا كتب.
التشريح كما لم تره من قبل.
قرأت ليندا العبارات دون أن تعالجها فعليا وكانت يداها رطبتين قليلا فهي لا تحب المستشفيات ولا الجنائز وبالتأكيد لا تحب الجثث.
أما هايلي فكانت تمشي بحماس مكبوت ففي التاسعة عشرة من عمرها كان كل ذلك يمثل مستقبلا دراسة نداء مهنة لم يتشكل بعد.
كانت تريد أن تصبح ممرضة أن تساعد الناس وكانت ليندا ترى كايل في كل حركة منها في كل تعبير في كل لمعة حماسة.
ذلك التفكير كان يسبب لها وخزة مألوفة قديمة ثابتة كجرح لم يلتئم رغم مرور السنين.
دفعوا ثمن التذاكر.
اجتازوا نقطة التفتيش.
ودخلوا.
في البداية تمكنت ليندا من الحفاظ على مسافة عاطفية راقبت أجسادا بلا جلد عضلات مكشوفة وأعضاء محفوظة بإتقان خلف واجهات زجاجية شفافة.
أشخاص مجهولون تحولوا إلى دروس وقالت لنفسها إنهم لا أحد بلا تاريخ بلا أسماء وأنه لا ينبغي لها التحديق طويلا.
لكن التعرف لا يأتي بالمنطق بل يأتي بالغريزة تلك التي لا تخطئ حتى عندما يكذب العقل.
كان ذلك في القاعة الثالثة بجوار جسد ذكوري موضوع في وضعية رياضية كأنه على وشك رمي كرة غير مرئية في الفراغ.
كانت اللوحة التفسيرية تتحدث عن الميكانيكا الحيوية للحركة عن الأوتار والتوازن لكن ليندا لم تقرأ شيئا من ذلك.


انصب نظرها على الفك على الشكل الدقيق لعظم الوجنة اليسرى وعلى ندبة صغيرة بالكاد ترى فوق الحاجب الأيمن.
انكمش العالم.
في ثانية أبدية واحدة عادت ليندا إلى سن الثالثة والثلاثين وكان كايل في الثامنة قد سقط أثناء التزلج ينزف دون أن يبكي.
أنا بخير يا أمي قالها يومها بتلك الابتسامة المائلة التي كان يستخدمها دائما ليطمئنها رغم الألم.
تراجعت ليندا خطوة ثم أخرى وكان قلبها يضرب صدرها بعنف جعلها تشعر بالدوار بينما كانت هايلي ما تزال تقرأ غافلة.
لا همست ليندا دون أن تدرك أنها تحدثت بصوت مسموع.
اقتربت مجددا وهي ترتجف ونظرت إلى الجسد من زاوية أخرى فرأت الكتف الأيمن أخفض قليلا والنسبة الدقيقة بين الجذع والساقين.
تفاصيل لا يمكن لأي بطاقة تقنية أن تشرحها تفاصيل لا تتعرف عليها إلا أم حتى بعد ربع قرن من الغياب.
خمسة وعشرون عاما.
خمسة وعشرون عاما من الجهل بمكان ابنها.
خمسة وعشرون عاما من تخيله حيا ميتا ضائعا نادما جريحا.
خمسة وعشرون عاما من رفض قبول تابوت لم يوجد أصلا.
والآن كان هناك.
ساكنا.
مكشوفا.
محولا إلى شيء.
شعرت ليندا بالغثيان وأسندت نفسها إلى الحاجز فالتفتت هايلي حين لاحظت أن شيئا ما ليس على ما يرام.
جدتي هل أنت بخير
لم تجب ليندا فورا كانت ما تزال تحدق في الوجه بلا جلد في العضلات المشدودة صناعيا في العيون الغائبة.
ومع ذلك كانت تعرف.
إنه هو قالت أخيرا.
عبست هايلي. من
أبوك.
سقطت الكلمة بينهما كجسم ثقيل فضحكت هايلي ضحكة عصبية تلقائية.
جدتي لا هذا معرض هذه أجساد متبرع بها هذا مستحيل.
هزت ليندا رأسها ببطء ولم ترفع عينيها عن الجسد.
كان لدى كايل تلك الندبة. في الموضع نفسه تماما. أصيب بها أثناء لعب الهوكي. عام ألفين وواحد. كنت أجلس في المدرجات.
أعادت هايلي النظر إلى الجسد. بحثت عن علامات عن تشابهات. لكنها لم تر سوى رجل مجهول. نموذجا تشريحيا بلا قصة.
لا يمكن أن يكون أصرت. الشرطة القضية لم يعثروا أبدا
لأنهم توقفوا عن البحث أجابت ليندا بهدوء فاجأها هي نفسها.
اقترب موظف من موظفي المتحف ربما نبهه نبرة الحديث.
هل هناك مشكلة
نظرت إليه ليندا مباشرة.
أريد أن أعرف من أين جاء هذا
الجسد.
ابتسم الرجل ابتسامة مهنية متوترة.
جميع الأجساد في المعرض جاءت من تبرعات قانونية بموافقة مستنيرة قالها كما لو كان يردد نصا محفوظا. وهي مطابقة لكل اللوائح.
أين الأسماء سألت ليندا.
لا يتم عرضها احتراما للخصوصية.
شعرت ليندا بشيء يتصلب داخلها. شيء ظل سنوات طويلة ينتظر سببا ليفعل.
اختفى ابني عام 1999 قالت ببطء. لم نعثر على جثته أبدا. والآن أراه هنا. فإما أنني مجنونة أو أن أحدهم يكذب.
تردد الموظف. نظر حوله. خفض صوته.
سيدتي إن كانت لديك مخاوف يمكنك مراسلة الجهة المنظمة. هناك بريد إلكتروني
لا قاطعته ليندا. أريد إجابات. الآن.
اقترب الأمن بعد ذلك بقليل. طلبوا منهما التقدم أو مغادرة القاعة. أمسكت هايلي بذراع جدتها مرتبكة خائفة.
غادرتا المكان في صمت.
في الخارج صفع هواء أكتوبر البارد وجه ليندا كصفعة ضرورية. أخذت نفسا عميقا. كان قلبها لا يزال متسارعا لكن عقلها كان صافيا. صافيا أكثر من اللازم.
خمسة وعشرون عاما وهم يقولون لها أن تقبل عدم اليقين.
أن تتوقف عن طرح الأسئلة.
أن تتعلم العيش بلا إجابات.
لم تفعل ذلك حينها.
ولن تفعله الآن.
لأن كايل إن انتهى به الأمر هناك فلم يكن ذلك حادثا.
كان نظاما.
وقد قررت ليندا ماليستر للتو أنها ستواجهه.
ولو كلفها ذلك كل شيء.
في تلك الليلة لم تنم ليندا. ليس خوفا بل لأن شيئا ظل معلقا خمسة وعشرين عاما قد لامس الأرض أخيرا. كان الشك عدوها الأكبر دائما.
سؤال ماذا لو كنت مخطئة هو ما أبقاها حذرة مكبوحة مهذبة أمام شرطة غير مبالية وموظفين مرهقين. لكن الآن لم يعد هناك مكان لذلك.
كان التعرف فوريا غريزيا غير عقلاني. أموميا.
والأم لا تفاوض حدسها.
جلست هايلي معها في مطبخ الشقة الصغيرة في دورمونت. الضوء الأصفر للمصباح جعل كل شيء يبدو أكثر هشاشة. على الطاولة وضعت ليندا صندوقا كرتونيا مهترئا.
في داخله كانت البقايا المادية لحياة قطعت فجأة صور تقارير شرطة قصاصات جرائد رسائل بلا رد. أرشيف غياب.
أريني كل شيء قالت هايلي بصوت منخفض.
أومأت ليندا. لسنوات حمت حفيدتها من ذلك الألم. كانت تتحدث عن كايل كصورة مضيئة شبه أسطورية لكنها تتجنب التفاصيل المظلمة.
في
تلك الليلة وللمرة الأولى فتحت الصندوق بالكامل.
أرتها صورة كايل بزي هوكي جامعة بيت. الابتسامة المائلة. الحاجب الأيمن المرتفع قليلا. ثم صورة أخرى التقطت قبل اختفائه بأسابيع حيث كانت الندبة واضحة تماما.
مالت هايلي إلى الأمام.
إنها متشابهة جدا تمتمت.
لا صححت ليندا بحزم. إنها نفسها.
ثم جاءت الوثائق. بلاغ الاختفاء. ملاحظات المحقق الرئيسي مليئة بافتراضات مبطنة. كلمات تاريخ تعاطي المخدرات مسطرة أكثر من مرة. ضغطت هايلي شفتيها وهي تقرأ.
أسقطوه قالت. ليس كسؤال.
نعم أجابت ليندا. قرروا من يكون كايل دون أن يعرفوه.
بدأ غضب هايلي يتشكل. لم يكن فقط من أجل والدها بل من أجل النمط. من أجل سهولة استبدال حقيقة مزعجة بقصة مريحة.
عند الثالثة صباحا شغلت ليندا حاسوبها المحمول القديم. استغرق دقائق طويلة حتى يعمل. كانت هايلي تراقب بصمت.
هناك شيء لم أرد النظر إليه أبدا قالت ليندا أخيرا. لأنني كنت أشعر أنني إن فعلت فسأجعله حقيقيا.
كتبت ببطء لكن بعزم. اسم المعرض. الشركة المنظمة. كلمات التبرع بالأجساد المصدر الجدل.
ما ظهر لم يكن مفاجئا. لكنه كان أسوأ.
مقالات قديمة. دعاوى قضائية مؤرشفة. تحقيقات غير مكتملة. دول مذكورة الصين أوروبا الشرقية أمريكا الجنوبية. اتهامات بجثث سجناء مشردين أشخاص بلا عائلة تطالب بهم.
كل ذلك مغلف بلغة قانونية مصاغة بعناية كي لا تؤكد شيئا بوضوح.
يقولون إنها تبرعات قرأت هايلي. لكنهم لا يعرضون وثائق فردية.
أغمضت ليندا عينيها للحظة. فكرت في كايل. في سيارته التي وجدت سليمة. في الغياب التام لأي أثر. في كيف لم يستطع أحد إخبارها أين ابنها لكن أحدهم الآن يتقاضى عشرين دولارا لعرضه.
الأجساد لا تظهر من العدم قالت ليندا. شخص ما يفقدها.
في صباح اليوم التالي اتصلت ليندا بقسم شرطة بيتسبرغ. طلبت قسم الأرشيف. قيل لها إن قضية ماليستر أغلقت منذ عام 2000 ولا يمكن إعادة فتحها دون أدلة جديدة.
لدي أدلة جديدة قالت. رأيت ابني.
ساد الصمت على الطرف الآخر.
سيدة ماليستر أجاب صوت مرهق أتفهم أن هذا صعب لكن
استمع إلي قاطعته ليندا. أنا لا أطلب تعزية. أنا أبلغ.
أغلقت الخط قبل أن يتمكنوا من اختزالها
إلى امرأة مسنة مشوشة.
في اليوم نفسه استخدمت هايلي علاقاتها الجامعية. أستاذ أخلاقيات حيوية. زميلة تعمل
تم نسخ الرابط