أرسلت لي ابنتي حذاءً أكبر من مقاسي بثلاثة مقاسات ما وجدته مخبأً تحت النعل الداخلي جعلني أبكي كطفل صغير
هبت رياح أواخر ديسمبر القارسة بقوةٍ لا هوادة فيها، منحدرة من الهضبة العالية، تتسلل عبر شقوق النافذة الخشبية العتيقة بلا رحمة، حاملةً ذلك البرد الجاف الذي يبلل العظام ويجعل الليل يبدو أطول من الاحتمال.
داخل منزلٍ متواضع بجدرانٍ طينية وسقفٍ من الصفيح البالي، في زاويةٍ منسية قرب القرية الصغيرة، جلس دون خوسيه راميريز على كرسيه المصنوع من الخيزران بجوار موقد الحطب، يفرك يديه المتصلبتين المثقلتين بسنوات العمل.
لكن انتباه الرجل العجوز لم يكن منصبًا على النار المتأججة ولا على صوت الحطب المتكسر، بل على صندوقٍ من الورق المقوى استقر فوق طاولةٍ خشبية ريفية، وصل حديثًا مع ساعي بريدٍ نادرًا ما يغامر بزيارة المنطقة.
على إحدى زوايا الطرد، كُتب بخط يدٍ أنيق عنوان المنشأ، مدينة بعيدة تعج بالحياة والضجيج، مدينة مونتيري، حيث تعيش ابنته ماريا التي غادرت منذ سنوات بحثًا عن مستقبلٍ أكثر رحمةً وأقل قسوة.
قفز قلب دون خوسيه فرحًا وهو يتعرف على المرسل، إذ لم تصله هدية منذ زمن، ولم تعد ماريا لعيد الميلاد منذ ثلاث سنواتٍ طويلة، تركت خلالها الغياب يتمدد بينهما كشتاءٍ لا ينتهي.
فتح الصندوق بيدين مرتجفتين من التأثر، ومزق ورق المناديل ببطءٍ كأنه يخشى إفساد اللحظة، لتملأ الغرفة رائحة الجلد الجديد، رائحةٌ دافئة وغريبة على بيتٍ اعتاد بساطة الأشياء وخشونتها.
كانت أحذية جلدية بنية داكنة، مصقولة بعناية، أنيقة بشكلٍ يفوق ما
ارتسمت ابتسامة رقيقة ممزوجة بالفخر على وجهه المتجعد، خلع حذاءه القديم، وأدخل قدمه اليمنى في الحذاء الجديد، قبل أن تتلاشى الابتسامة سريعًا حين أدرك الحقيقة المؤلمة.
كان الحذاء كبيرًا، كبيرًا أكثر مما ينبغي، مقاسًا لا يشبه قدميه اللتين عرفتا الرقم أربعين طوال العمر، بينما هذا الحذاء بدا أقرب إلى ثلاثة وأربعين، واسعًا كفراغٍ غير متوقع.
وقف مترددًا، خطا خطوةً غير واثقة، فشعر بقدمه تطفو داخل الجلد الأنيق بلا استقرار، وتنهد تنهيدةً ثقيلة، محاولًا تفسير الخطأ بعقل أبٍ متفهم لا يعرف اللوم.
قال لنفسه إن ماريا ربما كانت مرهقة، تركض بين نوبات العمل والتسوق، أو ربما التقطت الصندوق الخطأ على عجل، رافضًا السماح لفكرةٍ أقسى بأن السنوات محت تفاصيل قدميه من ذاكرتها.
لم يُرد الاتصال بها، لم يشأ أن يزرع في قلبها وخزة ذنبٍ ليلة عيد الميلاد، فأعاد الحذاء بعنايةٍ إلى علبته، وأغلقها برفق، ووضعها في أظلم زاويةٍ بخزانته القديمة.
مرّت الشهور ببطءٍ كما يحدث دائمًا في القرى، حيث يُقاس الزمن بالفصول لا بالساعات، انحسر الشتاء، وجاء الربيع محمّلًا بالأمطار التي تركت رطوبةً ثقيلة ورائحة عفنٍ خافتة.
وفي صباحٍ مشمسٍ أخيرًا، قرر دون خوسيه تنظيف المنزل بعمق، أخرج الملابس إلى الفناء، وحين أفرغ خزانته تدحرج
اندفع فأر حقلٍ صغير من تحت الأثاث، فتسلل القلق إلى قلبه خوفًا على هدية ابنته، فجثا بصعوبة وفتح العلبة، ليطمئن حين وجد الجلد لا يزال سليمًا ولامعًا كما كان.
لكن عندما رفع الحذاء الأيمن، تجمد في مكانه فجأة، إذ بدا ثقيلًا بشكلٍ غير منطقي، وزنٌ لا يتناسب مع حذاءٍ رسمي، مهما بلغت جودة نعله أو سماكة جلده الفاخر.
هزّه برفق قرب أذنه، فشعر بكتلةٍ صلبة ساكنة في الداخل، شيءٍ لا يتحرك ولا يصدر صوتًا، وبدأ القلق يزحف إلى صدره بينما تسارع نبض قلبه بشكلٍ مقلق.
أدخل يده باحثًا عن قصاصة ورقٍ أو حشوةٍ منسية، فلم يجد سوى البطانة الناعمة، فقلب الحذاء نحو الضوء، ليلاحظ أن النعل الداخلي لم يكن مثبتًا بشكلٍ متساوٍ.
توجه إلى طاولة المطبخ، أمسك سكينًا صغيرًا، وبدأ بحذرٍ شديد رفع حافة النعل، وما إن انفصل الغراء ببطء، حتى انحبس نفس الرجل العجوز في صدره المرتجف.
تحت البطانة، لم يكن هناك نعلٌ تقليدي، بل تجويفٌ محشو بإحكام بعبواتٍ صغيرة مستطيلة ملفوفة بشريطٍ لاصق أسود، مضغوطة بكثافةٍ شوهت شكل الحذاء الداخلي قليلًا.
ارتجفت يداه بعنف، سقطت السكين فوق الطاولة مُحدثة صوتًا حادًا، وفي تلك اللحظة اجتاحه رعبٌ بارد، إذ لم يكن خبيرًا، لكنه عرف فورًا معنى تلك العبوات المخفية بإتقان.
كان يشاهد الأخبار أحيانًا على تلفازه القديم، وكان يعرف تمامًا أن الأشياء السيئة تُخفى
بدأ عقل الأب الحامي ينسج أسوأ الاحتمالات، وجفّ الدم من وجهه فجأة، بينما تدافعت الأسئلة الثقيلة في رأسه كعاصفةٍ داخلية لا تهدأ ولا تمنحه لحظة صفاء أو طمأنينة.
"ماذا لو تورطت ماريا في أمرٍ خطير بدافع الضرورة؟" تساءل، وغصةٌ حادة شدّت حلقه، أعاقت بلعه، وأشعلت في صدره خوفًا أبويًا قاسيًا لا يعرف المنطق ولا يقبل التهدئة.
"ماذا لو كان زوجها، المثقل بضائقةٍ مالية في تلك المدينة الصاخبة، يخطط لشيءٍ مظلم؟ ماذا لو هددتهم عصابات المخدرات؟ يا إلهي، ماذا لو استغلّ أحدهم سذاجتها دون علمها؟"
تسلل العرق البارد على ظهره رغم برودة الصباح، مبتلًا قميصه القطني، وأسقط الحذاء فوق الطاولة بعصبيةٍ كأنه جمرة، بينما برزت الكتل السوداء كتهديدٍ صامت يحدق فيه بلا رحمة.
أصابه الذعر بالشلل؛ فلو جاءت الشرطة لتفتيشٍ روتيني، أو لو أبلغ أحدٌ السلطات، كيف سيشرح براءته؟ ولو أتلف الطرد، ماذا لو جاء أصحاب البضاعة يبحثون عن ماريا؟
تعثرت أفكاره بين الخوف والواجب، وسار بيأسٍ نحو الهاتف القديم ذي القرص الدوار، رفع السماعة عازمًا على طلب النجدة، لكن إصبعه تجمد قبل إدارة القرص.
لم يستطع الاتصال؛ فكرة واحدة فقط مزقته من الداخل: لو أخبرهم، ربما دمّر حياة ابنته إلى الأبد. ابتلع خوفه بصعوبة، وهمس لنفسه: كان عليه أن يتأكد أولًا.
أغمض عينيه، وأسند جبهته إلى