تركتنا أمي نحن السبعة، إخوتي وأنا، وحدنا

لمحة نيوز

تركتنا أمي نحن السبعة إخوتي وأنا وحدنا وهربت. وعندما جاء الأخصائيون الاجتماعيون ليفصلونا فعلت جارتنا شيئا أنقذ حياتنا
أخبرت جارتنا أن أمي لن تعود وأنا أقبض على مقبض المكنسة بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعي. ما زلت أذكر الغبار وهو يتراقص في الهواء في ذلك اليوم الحار وكيف بدا ضجيج الشارع وكأنه يتلاشى عندما طرحت علي سؤالها.
يا بني وأمك لم أرها بالخارج منذ أيام.
حاولت أن أمنع صوتي من الارتجاف. حاولت أن أبدو رب الأسرة الذي كان يفترض أن أكونه الآن. لكنني كنت في الثانية عشرة فقط وكان في صدري فراغ يشبه الثقب.
قلت فجأة وأنا أحدق في حذائي الرياضي البالي
إنها ليست هنا ولن تعود. لقد رحلت رحلت . أخذت ملابسها تركتنا. وقالت إنها لم تعد تحتمل الوضع.
رأيت وجهها ينهار. ذلك المزيج القاسي من الرعب والحزن والذهول الذي بدأت أتعرف عليه في عيون الكبار. شعرت بخجل حارق كأن الذنب ذنبي ومع ذلك تسللت إلى داخلي راحة خافتة لأنني أخيرا أطلقت السر الذي كان يخنقنا خلف جدران منزلنا الصغير.
نحن سبعة يا سيدتي تابعت والكلمات تندفع من فمي كالسيل.
أختي الكبرى أصبحت الآن الأم والأب معا. بلغت الثامنة عشرة لتوها. ثم أنا وبعدي إخوتي التوأمان والطفل الصغير.
انحنت السيدة قليلا على حافة الرصيف تلوح بيدها وكأن الهواء لم يعد يكفيها.
يا إلهي فتاة في الثامنة عشرة بمفردها مع ستة أطفال ورضيع
نعم. تعمل ليلا

في تنظيف المكاتب بوسط المدينة وتعتني بنا نهارا. بالكاد تنام. أحيانا أحيانا أشعر أنها على وشك الإغماء لكنها تغسل وجهها بالماء البارد وتواصل.
ما لم أخبرها به حينها لأن الاعتراف به كان مؤلما أكثر مما أحتمل هو ذلك الرعب الذي كان يزورنا كل ليلة. رؤية أختي بتلك الهالات الداكنة المتورمة تحت عينيها وهي تعد وجبات الغداء عند الخامسة صباحا بما تبقى في الخزانة. تحاول تذكر مسائل الطرح تغير حفاضات الصغير وتطهو الأرز بالبيض ليكفينا أطول وقت ممكن.
المنزل الذي كان يوما يعج بالضحك والألعاب صار يغمره صمت متوتر. صمت الخوف.
وأحيانا في ساعات الفجر الأولى كنت أسمعها تبكي في الحمام. بكاء مكتوما تخنقه بمنشفة حتى لا توقظنا. كنت أستلقي بلا حراك أحدق في السقف وأتوسل إلى إله بدأت أشك فيه أن يمنحنا مخرجا.
لكن الحل الذي ظهر لم يكن الحل الذي توقعناه.
قبل أسبوعين تجسد الخوف في صورة بشرية.
توقفت سيارة رمادية أمام المنزل. نزل منها شخصان يحملان ملفات وعلى وجهيهما صرامة باردة. قالا إن بلاغا مجهولا وصل إلى الخدمات الاجتماعية. دخلا وتأملا الطلاء المتقشر على الجدران والفوضى التي لا مفر منها في بيت يسكنه سبعة أطفال والثلاجة شبه الفارغة.
ثم نطقا بالكلمات التي كنا نخشاها منذ اليوم الأول
إعادة التوطين.
دور الرعاية.
عدم الجدوى.
تغيرت أختي الكبرى.
لم أرها هكذا من قبل. وقفت أمامهما كلبؤة جريحة تدافع
عن أشبالها. صرخت لا! فتردد صدى صوتها في أرجاء الغرفة.
لن تفرقونا. نحن عائلة. وعدت أن أعتني بهم!
يا آنسة رجاء تفهمي. هذا من أجل مصلحة الأطفال. لا تملكين الموارد. أنت ما زلت صغيرة
أنا مصلحتهم!
كانت عيناها محمرتين تفيضان بدموع الغضب واليأس.
تخلت عنا أمنا لكنني لن أفعل. أبدا. لديهم سقف وطعام بالكاد يكفينا وحب لن ينقصهم. ماذا يريدون أكثر من ذلك
كان التوأمان يبكيان متكورين على الأريكة لا يفهمان سوى أن الخطر دخل البيت. كانت أختي الصغرى تمسك بقميصي بقوة حتى آلمتني. حاولت الوقوف باستقامة حاولت أن أبدو ناضجا لكنني في داخلي كنت صبيا مرعوبا في الثانية عشرة.
غادر الأخصائيون الاجتماعيون وتركوا خلفهم تحذيرا ثقيلا
سيعودون بعد أسبوع لإجراء تقييم نهائي.
إن لم تتحسن الأوضاع سيعودون مع الشرطة وأوامر النقل.
سيفرقوننا.
قالوا إن بعضنا قد يرسل شمالا وبعضنا جنوبا.
وربما ربما لن أرى الصغير يكبر.
في تلك الليلة كان الهواء خانقا. لم تتناول أختي العشاء. جلست إلى طاولة المطبخ رأسها بين يديها والساعة المعلقة على الحائط تدق كأنها تعد ما تبقى لنا معا.
ثم سمعنا ثلاث طرقات حادة على الباب.
عندما فتحته كانت الجارة هناك.
لكنها لم تكن وحدها.
خلفها وقفت صاحبة المتجر والنجار العجوز من الزاوية. وكانت تحمل قدرا كبيرا من حساء ساخن تتصاعد منه رائحة دافئة. لم يعد في عينيها حزن بل تصميم صلب.
دخلت وضعت
القدر على الطاولة وقالت بهدوء لا يشبه الهدوء
يا ابنتي العزيزة أبلغ الستين من عمري. رحل زوجي منذ خمس سنوات ومنذ ذلك الحين وهذا البيت غارق في صمت ثقيل. أحيانا يكون الصمت أقسى من الجوع
حاولت أختي الكبرى الاعتراض وكبرياؤها المجروح يقيم حاجزا أخيرا.
لا نملك المال لندفع لك ولسنا بحاجة إلى صدقة.
أسكتتها الجارة بإشارة لطيفة تمسك يديها الخشنتين من الكلور والعمل.
اصمتي يا فتاة. هذه ليست صدقة بل حسن جوار. في هذا الحي لا أحد يواجه الحياة وحده ما دمنا معا.
وأضافت بحزم دافئ
سيأتي الأطفال إلى منزلي بعد المدرسة. تستريحين أو تعملين. أطبخ لشخص واحد ويبقى الكثير. الطبخ لثمانية ليس إلا إضافة قليل من الماء إلى الحساء.
تقدم النجار العجوز خلع قبعته وقال
سأصلح السرير غير الثابت. ولدي خشب يكفي لصنع طاولة كبيرة يدرس حولها الجميع.
وضعت صاحبة المتجر كيسا ممتلئا على الأرض
والفاكهة التي توشك أن تفسد أولى بها بطون الصغار بدل الحاوية.
للمرة الأولى منذ أسابيع انهارت أختي الكبرى.
لم تصرخ. لم تجادل. سقطت بين ذراعي الجارة وبكت.
لكنه لم يكن بكاء هزيمة بل بكاء ارتياح ثقيل بكاء من حملت العالم على كتفيها طويلا وأخيرا وجدت من يشاركها الحمل.
لا أعرف كيف أرد الجميل قالت وهي تنتحب.
ستفعلين همست الجارة تربت على شعرها
بأن تبقي قوية
وبأن تدعي هؤلاء الأطفال يكبرون معا.
كانت الأيام التالية ثورة هادئة.

لم يعد المنزل مكانا للنجاة فقط بل صار بيتا دافئا.
كل عصر بعد
تم نسخ الرابط