كانت ابنتي تعود من المدرسة كل يوم مرددة: هناك طفلة في المدرسة تشبهني
كانت ابنتي تعود من المدرسة كل يوم مرددة هناك طفلة في منزل معلمتي تشبهني تماما فتتبعت الأمر بهدوء لأكتشف حقيقة قاسية ارتبطت بعائلة زوجي ارتباطا لم أتوقعه قط.
لم أتخيل يوما أن عبارة بريئة تنطق بها طفلة في الرابعة يمكن أن تزعزع السلام الذي عشت أؤمن به سنوات طويلة وأعيد ترتيب ذكرياتي على نحو مقلق.
اسمي إيميلي أبلغ الثانية والثلاثين من العمر ومتزوجة من دانيال ومنذ زواجنا نقيم في منزل والديه ريتشارد ومارغريت ويلسون دون أن أشعر يوما أن الأمر عبء ثقيل.
على العكس كانت علاقتي بوالدته ودية على نحو لافت عاملتني كابنتها نتسوق معا نذهب إلى المنتجع الصحي ونتبادل الأحاديث الطويلة حتى يخطئ البعض فيظنني ابنتها البيولوجية.
غير أن علاقتها بزوجها كانت مختلفة تماما خلافات صامتة تتخمر تحت السطح توتر مكتوم وأبواب تغلق ليلا ليبقى ريتشارد نائما على الأريكة في صمت مرهق.
كان رجلا قليل الكلام ميالا إلى الاستسلام يمازح أحيانا بمرارة أنه بعد عقود من التنازل نسي كيف يبدو الدفاع عن رأيه أو رفع صوته اعتراضا.
ومع ذلك لم يكن بلا عيوب كان يكثر من الشراب ويتأخر خارج المنزل وأحيانا لا يعود ليلا فتشتعل من جديد نوبات غضب والدتي زوجي التي ظننتها آثار زواج طويل فحسب.
أما ليلي فقد أتمت عامها الرابع للتو ولم نرغب أنا وزوجي في إرسالها إلى الحضانة مبكرا لكن دوامنا الكامل جعل الأمر أكثر صعوبة مما توقعنا.
ساعدتنا والدته لبعض الوقت غير
كانت لا تستقبل سوى ثلاثة أطفال ركبت كاميرات مراقبة وتعد وجبات طازجة يوميا بعناية واضحة فزرتها بنفسي راقبت التفاصيل وشعرت بطمأنينة كافية لتسجيل ليلي لديها.
في البداية بدا كل شيء مثاليا كنت أفتح الكاميرات أثناء عملي فأرى آنا تعامل الأطفال برفق وصبر وحين أتأخر أحيانا كانت تطعم ليلي العشاء دون تبرم.
لكن في إحدى الأمسيات وبينما كنت أقود عائدة إلى المنزل قالت ليلي فجأة بصوت عابر غير كل شيء ماما هناك طفلة في بيت المعلمة تشبهني تماما.
ابتسمت ضاحكة وسألتها بخفة حقا وبماذا تشبهك ظننتها حكاية صغيرة أخرى من خيال طفلة لم تتجاوز الرابعة بعد.
أجابت بثقة تشبه عيني وأنفي والمعلمة قالت إننا متطابقتان تماما فهززت رأسي مبتسمة غير أن نبرتها التالية لم تكن عابرة أبدا.
قالت بجدية غير معتادة إنها ابنة المعلمة تتعلق كثيرا بالجميع وتريد أن تحمل دائما وعندها تحرك في داخلي قلق خافت لم أجد له تفسيرا.
في تلك الليلة أخبرت زوجي فاستخف بالأمر مؤكدا أن الأطفال ينسجون القصص بسهولة وحاولت أن أستعير منطقه لأسكت ذلك الصوت القلق في صدري.
غير أن ليلي لم تكف عن تكرار ذكر الطفلة التي تشبهني مرة بعد أخرى حتى صار الاسم يتردد في أذني كجرس إنذار لا يتوقف.
ثم أضافت يوما جملة بدلت القلق خوفا حقيقيا لم أعد ألعب معها المعلمة قالت إن
هناك تحول الانزعاج الغامض إلى رهبة واضحة شعور ثقيل بأن شيئا ما يخفى عني عمدا وأن الصدفة لم تعد تفسيرا كافيا.
بعد أيام قليلة خرجت من العمل باكرا وذهبت بنفسي لاصطحاب ليلي وعندما اقتربت من المنزل لمحت طفلة صغيرة تلعب وحدها في الحديقة.
كاد قلبي يتوقف.
كانت نسخة مطابقة لابنتي العينان نفسيهما الأنف ذاته وحتى التعابير الدقيقة التي ترتسم على وجهها حين تبتسم أو تلتفت.
كان الشبه صارخا إلى حد بدا غير واقعي كأنني أنظر إلى انعكاس ليلي في مرآة خرجت من مكانها واستقلت بجسد آخر.
خرجت آنا في تلك اللحظة وتجمدت لجزء من الثانية حين رأتني ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة بدت متكلفة أكثر مما ينبغي.
سألتها بنبرة عادية متعمدة هل هذه ابنتك فترددت قليلا قبل أن تومئ قائلة نعم بينما لمحت في عينيها وميضا يشبه الخوف.
تلك الليلة لم يزرني النوم ظلت أفكاري تدور بلا توقف وكلما أغمضت عيني رأيت صورتين متطابقتين تتداخلان حتى يكاد عقلي يختنق بالأسئلة.
في الأيام التالية تعمدت المجيء مبكرا غير أن الطفلة اختفت تماما وكانت آنا تسوق في كل مرة عذرا مختلفا لا يشبه سابقه.
عندها قررت أن أفعل أمرا لم أظن يوما أنني سأقدم عليه.
طلبت من صديقة مقربة أن تصطحب ليلي عصرا بينما بقيت أنا في الجوار مختبئة عن الأنظار أراقب بصمت باب المنزل والطريق المؤدي إليه.
ثم رأيت ما لم أكن مستعدة لرؤيته.
توقفت سيارة مألوفة أمام المنزل.
وترجل منها والد زوجي.
وقبل أن أستوعب المشهد فتح الباب واندفعت طفلة صغيرة تصرخ بفرح أبي! فحملها بين ذراعيه بسهولة وابتسم تلك الابتسامة الهادئة التي رأيتها منه ألف مرة من قبل.
في تلك اللحظة شعرت وكأن العالم ينهار من حولي وكأن أرضا صلبة عشت أطمئن إليها سنوات طويلة قد تشققت فجأة تحت قدمي بلا إنذار.
انكشفت الحقيقة بوضوح قاس لا يترك مجالا للشك لم يكن زوجي كما خشيت في أعماقي بل كان والده هو.
كان لديه طفل آخر.
ابنة.
تكاد تكون في عمر ابنتي تماما.
وقفت متجمدة في مكاني عاجزة عن التقاط أنفاسي بينما أخذت التفاصيل القديمة تتراصف أمامي في صورة واحدة متكاملة لا تقبل التأويل.
السهر المتكرر خارج المنزل الشجارات الصامتة المشحونة بينه وبين زوجته البرود المتنامي الأسرار الصغيرة التي بدت يوما بلا معنى كلها وجدت تفسيرها أخيرا.
في تلك الأمسية رأيت حماتي تتحرك في المطبخ كعادتها تعد العشاء بهدوء مألوف غير مدركة أن حقيقة واحدة قد تهدم العالم الذي ظنته ثابتا.
انقبض صدري ألما وشفقة لم أعد أعرف أيهما كان أثقل في داخلي غضبي من غشه أم حزني على امرأة عاشت سنواتها مخلصة لوهم يتداعى.
هل أخبرها
هل أكون أنا من يسقط الستار عن زواج تصدع بصمت طويل وأحطم آخر ما تبقى من استقرارها
أم ألوذ بالصمت أبعد ابنتي عن ذلك المكان وأحمل هذا السر الثقيل وحدي كعبء لا يشاركني فيه أحد
في تلك الليلة استلقيت إلى جوار طفلتي النائمة أحدق في السقف بعينين