اختفاء أب وابنته في الجبال، وبعد خمس سنوات، عثر المتنزهون على هذا الشيء عالقاً في شق صخري...

لمحة نيوز

أخذ أب خبير في البقاء على قيد الحياة ابنته الرضيعة في نزهة نهارية عبر جبال سموكي ثم اختفى دون أثر كأن الجبال ابتلعته رغم خبرته الطويلة.
خمسة أعوام كاملة والجبال صامتة وأم تنتظر إجابة لا تأتي حتى هبط طالبان في الجيولوجيا بحبال إلى شق بعيد فعثرا على شيء يحمل الدليل الوحيد.
بدت لوحة الفندق الرخيصة بطباعتها الباهتة لدب أسود كأنها تسخر من أكاري تاناكا المعلقة على الحائط في غرفة تضيق بصمتها الثقيل.
خارج نافذة الغرفة الصغيرة قرب حدود منتزه غريت سموكي ماونتينز الوطني تلاشت الشمس وتركت وراءها شفقا أرجوانيا ضبابيا في أمسية باردة من أوائل أكتوبر.
كانت الساعة السابعة والربع مساء الخامس من أكتوبر 2018 بعد خمس عشرة دقيقة من موعد العودة المتفق عليه بينهما بدقة معتادة.
في عالمهما المنظم عالم حلقات التسلق والخرائط الطبوغرافية والتخطيط المحكم كانت خمس عشرة دقيقة هامش خطأ مقبول لا يثير القلق.
لكن مرور ستين دقيقة كاملة كان سببا كافيا لارتباك صامت بدأ يتسلل ببطء إلى صدر أكاري.
وعند الدقيقة التسعين بدأ هدوؤها المتدرب يتآكل كما يتآكل حبل تسلق قديم تحت ضغط متواصل.
لم يكن زوجها مجرد هاو بل كان تلميذا وفيا للبرية يعرف قوانينها ويحترم صمتها.
كان كايدو تاناكا يسير في الجبال بثقة هادئة تكاد تلامس التبجيل كأنه يعرف أن لكل صخرة ذاكرة ولكل درب حكاية.
كان يقرأ الطبيعة كما يقرأ أمين مكتبة كتابا يفهم لغة الرياح وآثار الحيوانات والتحولات الدقيقة في الغطاء النباتي.
هو الرجل الذي يجهز ثلاث طرق لإشعال النار في نزهة قصيرة ويدرس دورات البقاء ويؤمن أن الطبيعة لا تخطئ بل البشر وحدهم.
لذلك بدت فكرة ضياعه شبه مستحيلة ولهذا تحديدا عندما تجاوزت الساعة الثامنة والنصف استقر خوف بارد في معدة أكاري.


لم يكن الأمر خطأ في الحسابات أو تأخيرا عابرا بل كان هناك خطب ما شيء غير مرئي بدأ يتشكل.
وكانت لونا ابنتهما ذات الأربعة عشر شهرا فكرة نابضة بالألم خلف عينيها كلما تخيلت الظلام يهبط فوق الجبال.
كانت خبرة كايدو درعا مطمئنا لكن وجود لونا يعني حذرا مضاعفا واحتياطا يتجاوز كل حساب.
كان سيحسب وقتا إضافيا للحفاضات ولنوبات البكاء المفاجئة ولتلك اللحظات البطيئة وهو يريها خنفساء على ورقة شجر.
كان سيضع خططا بديلة فوق أخرى ويخطط لرحلة يوم واحد كما لو كانت بعثة كاملة ولن يخاطر أبدا بالبقاء بعد حلول الظلام.
عند التاسعة تماما تحول الخوف إلى فعل ومدت يدها بثبات مصطنع تطلب رقم مركز عمليات حديقة غريت سموكي ماونتينز الوطنية.
تذكرت أنها رفضت أخذ إجازة من عملها كمهندسة مناظر طبيعية قرارا بدا الآن وكأنه منعطف قاس من القدر.
كان من المفترض أن تكون الرحلة ذكرى دافئة لتقوية العلاقة بين أب وابنته لا بداية كابوس طويل.
والآن تجلس وحدها في غرفة فندق معقمة تشرح لصوت هادئ غير مرئي أن زوجها الخبير وطفلتها الصغيرة مفقودان.
سردت التفاصيل بمنهجية صارمة كأنها تقدم تقريرا مهنيا لا اعترافا ممزقا بالخوف.
كايدو تاناكا أربعة وثلاثون عاما. لونا تاناكا أربعة عشر شهرا.
السيارة سوبارو رمادية ما تزال في موقف الفندق صامتة كما تركاها صباحا.
كان المسار المقصود دربا أقل ازدحاما في الجانب الشمالي من الحديقة بولاية كارولينا الشمالية معروفا لكنه هادئ.
كان من المفترض أن يعودا بحلول السابعة مساء على أقصى تقدير دون أي تغيير في الخطة.
أهم ما لديها كان في هاتفها آخر رسالة منه عند العاشرة واثنتين وثلاثين دقيقة صباحا.
لم تكن سوى لمحة عابرة من الحياة صور قليلة ومقطعي فيديو قصيرين يوثقان بداية يوم لم يكتمل.
في أحد
الفيديوهات سمع صوت كايدو ناعما وسعيدا وهو يشير إلى غزال للونا التي كانت تصدر أصواتا غريبة.
لكن جوهر الرسالة الصورة التي سرعان ما أصبحت الوجه العام للاختفاء كانت صورة سيلفي.
في تلك الصورة كان كايدو يبتسم ووجهه يحيط به دفء قبعة صوفية خضراء ووشاح مطابق كأنه جزء من المشهد لا زائرا عابرا.
انعكست على عدستي نظارته الشمسية قمم الأشجار الكثفة وشريط ضيق من سماء زرقاء صافية توحي بيوم هادئ لا ينذر بشيء.
على ظهره داخل حاملة أطفال حمراء متطورة جلست لونا تحدق بعينين واسعتين فضوليتين من تحت قبعة شمسية باهتة.
بدوا سعداء أصحاء منسجمين تماما مع بيئتهم الطبيعية كأن الجبال تعرفهم وتفتح لهم ذراعيها.
كان التوقيت مثاليا والضوء مناسبا وكل شيء يوحي برحلة ناجحة.
وجاء التعليق المرافق للصورة الجبال تستعرض جمالها اليوم. أحبك.
في مركز حراس شوغرلاندز وصل البلاغ إلى مكتب الحارس فاليريوس آش.
كان آش المخضرم الذي خدم قرابة ثلاثين عاما ذا وجه متجعد يشبه صخور الغرانيت في الحديقة نفسها.
رأى كل أنواع المآزق التي قد تصنعها جبال سموكي من سائح متهور إلى متسلق محترف يختفي بلا أثر.
كان يتعامل مع كل بلاغ بجدية كاملة لكن بلاغا يضم خبيرا وطفلا حمل ثقلا خاصا.
عندما يقع هاو في مشكلة يكون السبب غالبا متوقعا أما صمت خبير مثل كايدو فيعني تدخل قوة مفاجئة لا ترحم.
حدق آش في صورة السيلفي المبتسمة وبدت ألوان المعدات الزاهية متناقضة مع الظلام المتصاعد خارج النوافذ.
كان يعلم أن البحث يجب أن يبدأ فورا فالوقت في برية سموكي مورد لا يمكن تعويضه.
كانت الساعات الاثنتان والسبعون الأولى هجوما منظما بعناية ضد برية لا تبدي تعاونا.
عبأت إدارة حديقة غريت سموكي ماونتينز الوطنية مواردها بكفاءة وأنشئ مركز قيادة عند بداية
المسار المفترض.
تردد في الهواء صوت مروحية تمشط السماء الباردة ترسم دوائر واسعة فوق مظلة خضراء كثيفة تشبه سقفا صلبا.
على الأرض انتشرت فرق الحراس والمتطوعين واختفت ستراتهم الزاهية في الغابة خلال ثوان.
لم يكونوا يواجهون تضاريس صعبة فحسب بل طبيعة مخادعة تتبدل ملامحها مع كل خطوة.
قد يتحول درب واضح على الخريطة إلى صخور زلقة مغطاة بالطحالب تنحدر نحو واد عميق بلا إنذار.
تختبئ الوديان خلف غابات كثيفة من الرودودندرون متشابكة لدرجة يسميها السكان الجحيم الأخضر.
الصوت هناك لا يسافر بعيدا تبتلعه طبقات أوراق كثيفة وقد لا يتجاوز نداء استغاثة خمسين قدما.
تحركت الفرق ببطء ومنهجية تفتش كل شبر بحثا عن غصن مكسور أثر قدم قطعة معدات سقطت.
لم يجدوا شيئا.
اختفى كايدو تاناكا الرجل الذي عاش هذه البيئة كما يختفي ضباب الصباح مع أول خيط شمس.
بحلول اليوم الرابع توسعت العمليات واستدعيت موارد من المقاطعات المجاورة وفرق إنقاذ تطوعية من أنحاء الولاية.
مشطوا كيلومترات مربعة من البرية وتوغلوا أعمق في مناطق نائية لم تطأها أقدام كثيرة.
لكن غياب أي دليل أولي كان مقلقا للحارس آش أكثر من أي سيناريو آخر.
فعدم العثور على شخص شيء أما عدم العثور على أي أثر لمروره فشيء مختلف تماما.
كان من المفترض أن يترك أب يحمل طفلا آثار حفاضات وأغلفة طعام وخطوات واضحة في الطين.
غياب كل ذلك كان لغزا قائما بذاته سؤالا صامتا يثقل قلب عملية البحث.
وفي ظهيرة اليوم السادس ظهر خيط أمل غير متوقع.
كان متطوع متقاعد يدعى ماركوس يعمل على منحدر موحل يبعد نحو ثلاثمائة ياردة عن المسار المفترض.
انزلقت قدمه وأثناء تمسكه بجذر ليثبت نفسه لامست أصابعه شيئا باردا معدنيا مدفونا في التراب.
حفر بحذر وأخرج بوصلة نحاسية ثقيلة مزخرفة زجاجها
متصدع وإبرتها متجمدة في اتجاه واحد.
بدت قطعة قديمة من زمن آخر
تم نسخ الرابط