حمّمتُ حماي المشلول سرًّا عن زوجي

لمحة نيوز

حممت حماي المشلول سرا عن زوجي وحين رأيت على كتفه وشم نسر يحمل وردة سقطت على ركبتي لأنني أدركت في لحظة واحدة أن الماضي الذي دفنته منذ طفولتي عاد يواجهني بلا رحمة.
أنا لوسيا زوجة دانيال هيريرا أعيش معه في منزل عائلته العريق بمدينة جايبور حيث يقيم معنا والده دون رافائيل الذي أقعدته جلطة قاسية وجعلته أسير جسد لا يستجيب إلا بعينين تراقبان بصمت.
لم يكن يستطيع الكلام أو الحركة وكل ما كان يملكه أنفاسا هادئة تؤكد أنه ما زال حيا ونظرات ثقيلة تختبئ خلفها كرامة رجل كان قويا يوما ويرفض أن يراه أحد في ضعفه.
قبل زواجنا قال لي دانيال بجدية إنه يحبني أكثر من أي شيء لكنه يحتاج وعدا واضحا ألا أدخل غرفة والده في غيابه وألا أعتني به بنفسي مهما حدث احتراما لكرامته.
حاولت الاعتراض أخبرته أنني زوجة ابنه وأرغب في المساعدة لكنه شدد على رفضه مؤكدا أن كسر هذا الوعد قد يهدد استقرار بيتنا فوافقت بدافع الحب والخوف من خسارته.
مر عامان كاملان لم أقترب فيهما من تلك الغرفة وكان راميش مقدم الرعاية هو الوحيد الذي يدخلها إلى أن سافر دانيال ثلاثة أيام وتلقيت رسالة تخبرني أن راميش تعرض لحادث ولن يحضر.
تجمد قلبي وركضت إلى الغرفة وحين فتحت الباب صدمتني الرائحة ورأيته متسخا ومتألما ينظر إلي برجاء صامت فانهارت مقاومتي وقررت

أن أعتني به رغم خوفي من غضب زوجي.
حضرت ماء دافئا ومناشف نظيفة وملابس جديدة واقتربت منه هامسة أنني هنا ولن أتركه وحده ثم بدأت أنظفه برفق واحترام أحاول أن أحفظ له ما تبقى من كرامته.
لكن عندما نزعت قميصه لأغسل ظهره رأيت ندوب حروق قديمة ووسطها وشم نسر يحمل وردة فارتجف جسدي لأن هذا الرمز محفور في ذاكرتي منذ كنت طفلة في السابعة.
عاد بي الزمن إلى ليلة احترق فيها الميتم الذي كنت أعيش فيه ليلة تحولت فيها الجدران إلى لهب واختلطت الصرخات بالدخان وتركت في داخلي جرحا لم يلتئم أبدا.
كنت أسمع صراخ الأطفال يملأ المكان وأصوات أقدام تركض في هلع ودخانا كثيفا يخنق أنفاسي ويعمي عيني والنيران في كل زاوية تتسلق الجدران ككائن جائع يبحث عني.
كنت محاصرة في الغرفة الباب أغلق بفعل اللهب والنافذة كانت أعلى من أن أصل إليها بينما الدخان يتكاثف في صدري ويجعل الهواء أثقل من قدرتي الصغيرة على الاحتمال.
صرخت بكل ما أوتيت من قوة أستجدي النجدة لكن صوتي كان يضيع وسط الضجيج وسط انهيار السقف وسط صرخات أخرى كانت أقرب مني إلى الموت.
شعرت بالحرارة تزحف نحوي ببطء والهواء يثقل في صدري ورئتي الصغيرتين تعجزان عن احتمال الدخان وكأن كل نفس آخذه هو الأخير قبل أن ينطفئ كل شيء.
وفجأة رأيته يخرج من بين اللهب لم يكن ملاكا ولا بطلا
كما في القصص بل رجل مغطى بالسخام عيناه حازمتان وصدره يعلو ويهبط بسرعة.

لم أكن أعرفه ولم أر ملامحه بوضوح لكنني رأيت يده تمتد نحوي بلا تردد يدا لم ترتجف رغم النار التي كانت تحيط بنا من كل جانب.
لفني ببطانية مبللة بسرعة وضمني إلى صدره بقوة رجل يعرف أن الثانية قد تعني الفرق بين الحياة والموت ثم صرخ يأمرني ألا أترك يديه مهما حدث.
تشبثت به بكل ما تبقى لي من قوة شعرت بجسده يحجب النار عني وشعرت باللهب يلسع ظهره وسمعت أنينه المكبوت وهو يتحمل الألم دون أن يتركني.
كان يأخذ النار كلها لنفسه يفتح لي وسطها ممرا ضيقا للحياة كأنه قرر أن يكون الجدار الأخير بيني وبين الموت.
وقبل أن يغيب وعيي تماما رأيت على كتفه وشما واضحا لنسر يحمل وردة صورة لم أفهم معناها حينها لكنها انغرست في ذاكرتي إلى الأبد.
عندما فتحت عيني في المستشفى كنت محاطة بأصوات الأجهزة ورائحة المطهرات ووجوه غرباء وأخبروني أن رجلا مجهولا أنقذني وغادر دون أن يذكر اسمه.
لم أعرف من كان ولم أسمع صوته جيدا ولم أر ملامحه بوضوح ولم أملك فرصة واحدة لأقول له إنني مدينة له بحياتي كلها.
كبرت بعد تلك الليلة كبر جسدي وكبرت سنواتي لكن تلك الذكرى بقيت داخلي كجرح التأم من الخارج بينما ظل الألم تحته حيا ينبض بصمت.
كنت أستيقظ أحيانا على رائحة دخان
لا وجود له وأرى في منامي كتفا محترقا ووشما غامضا ثم أفيق دائما قبل أن أرى الوجه.

لم أكن أعلم أن الحياة تخبئ لي لقاء مؤجلا لقاء سيجمع الماضي بالحاضر في غرفة واحدة أمام سرير رجل صامت يحمل الندوب نفسها.
وقفت أمام سرير دون رافائيل أنظر إلى الجسد الهزيل والندوب الواضحة والوشم ذاته ثابتا كأنه تحدى الزمن والنار والموت ليبقى شاهدا على الحقيقة.
مددت يدي ببطء ولمست الندوب كانت أصابعي ترتجف لا خوفا بل رهبة من أن أكون أخيرا أمام الرجل الذي أخذ النار لنفسه ليمنحني الحياة.
قلت بصوت مكسور خرج من طفولتي قبل ما يخرج من حلقي هل كنت أنت الرجل الذي أنقذني من الحريق
نظرت إليه ولم أجد في ملامحه إلا الصمت صمتا ثقيلا أكبر من الكلمات لكن عينيه المرتجفتين كانتا تقولان الحقيقة كاملة دون حاجة إلى صوت.
امتلأت عيناه بالدموع وارتعشت رموشه كأن الزمن كله يمر فوقهما حاول أن يتكلم أن يحرك شفتيه لكن الصمت كان أقسى من أي جلطة.
بجهد
بدا كأنه معركته الأخيرة مع الحياة أغمض عينيه ببطء شديد ثم فتحهما إشارة صغيرة صامتة واضحة لا تحتمل الشك نعم كان هو.
انهرت من الداخل لم يكن انهيارا صاخبا بل سقوطا داخليا صامتا كأن شيئا ظل متماسكا داخلي عشرين عاما ثم تفتت فجأة دون إنذار.
لم أستطع الوقوف شعرت أن الهواء يهرب من صدري وأن
الغرفة تدور حولي ببطء قاس كأن الزمن عاد بي عشرين عاما دفعة واحدة.

سقطت على ركبتي بجانب سريره كأن
تم نسخ الرابط