اختارت الجدة الخطأ

لمحة نيوز

بلغت الثانية والسبعين من عمري، ولم أكن يومًا أخجل من هذا الرقم، لكنني في ذلك اليوم شعرت بثقله كما لم أشعر به من قبل. أعمل في هذا المطعم الصغير منذ أكثر من عشرين عامًا، وكنت دائمًا أقول إنني لم أبقَ فيه من أجل الراتب، بل من أجل الحياة التي وجدتها بين جدرانه، فمنذ رحيل زوجي صار البيت واسعًا أكثر مما يحتمل قلبي، وصار الصمت فيه أعلى من أي ضجيج، فهربت إلى العمل، إلى الأطباق الساخنة، إلى رائحة القهوة، إلى الناس.
تعرفت إليه هنا ذات شتاء بعيد، حين دخل مبللًا من المطر وطلب قهوة توقظ الموتى، فضحكت وقلت إن لدينا قهوة تعيدهم من قبورهم، ومن يومها صار يجلس في الركن نفسه كل مساء تقريبًا، ثم صار يعود إلى البيت معي، ثم صار البيت بيتنا، ثم رحل وترك لي الطاولة والذكرى، فبقيت أنا هنا، أتحرك بين الطاولات كأنني أبحث عنه في وجوه الزبائن.
الناس في هذه المدينة يعرفونني، بعضهم يطلب الجلوس في القسم الذي أخدمه تحديدًا، ويقولون إنني أتعامل معهم كأنهم ضيوف في بيتي لا مجرد زبائن، وأنا أفعل

ذلك فعلًا، لأنني أعرف معنى أن يحتاج الإنسان إلى كلمة طيبة أكثر من حاجته إلى طبق ممتلئ.
في يوم الجمعة الماضي كان المكان مزدحمًا على غير العادة، المطبخ يغلي والطلبات تتوالى بلا توقف، والعرق يختلط بالبخار في الهواء، حين دخلت فتاة شابة، أنيقة أكثر مما يحتمل المكان، تمسك هاتفها أمام وجهها وكأنها تنقل العالم إلى من يشاهدها، جلست في طاولتي ولم ترفع عينيها عن الشاشة.
اقتربت منها وقلت بهدوء ماذا تحبين أن تطلبي؟ لكنها لم تنظر إليّ، بل واصلت الحديث إلى هاتفها قائلة إنها في مطعم قديم يبدو لطيفًا وأنها ستجرب الخدمة، ثم أشارت إليّ بيدها دون أن تنظر وقالت إنها تريد سلطة بالدجاج من دون خبز محمص وصلصة إضافية، وأن يكون الدجاج دافئًا لا ساخنًا حتى لا يفسد الصورة بالبخار، ثم طلبت شايًا مثلجًا وأكدت أن يكون محلى جيدًا لا كما تفعل بعض الأماكن التي تدّعي التخفيف.
دوّنت طلبها كما قالت تمامًا، وذهبت إلى المطبخ وشرحت التفاصيل بنفسي حتى لا يخطئ أحد، وعدت بالطبق كما أرادت، وضعته أمامها
برفق، لكنها لم تبدأ بالأكل، بل بدأت بتعديل شكل الطعام لتلتقط صورًا، حركت قطع الدجاج، أعادت ترتيب الخس، التقطت صورة ثم أخرى، ثم رفعت رأسها أخيرًا ونادتني.

قالت إن الدجاج بارد، وضعت يدي عليه فكان دافئًا كما طلبت، فذكّرتها بهدوء أنها طلبته دافئًا لا ساخنًا، عندها نظرت إليّ نظرة قصيرة وقالت بصوت مسموع إن العمر له أحكامه وإنه ربما حان الوقت لبعض الناس أن يستريحوا بدل أن ينسوا أبسط التفاصيل، شعرت حينها أن الكلمات لم تكن عن الطعام بل عني أنا، عن يدي المرتجفة قليلًا، عن شعري الأبيض، عن سنواتي كلها.
لم أرد عليها، فقط ابتسمت وقلت إنني سأحضره ساخنًا كما تريد، وعدت إلى المطبخ وأنا أشعر بشيء ينكسر داخلي بصمت، ليس غضبًا بل وجعًا خفيفًا يشبه الخذلان، فأنا لم أتعرض للإهانة في هذا المكان منذ سنوات طويلة، وكنت أظن أن الاحترام لا علاقة له بالعمر بل بالإنسان نفسه.
أعدت تسخين الطبق وعدت به، تذوقت لقمة صغيرة وقالت إنه أفضل الآن، ثم أكملت طعامها ببرود، وعندما انتهت وضعت النقود على
الطاولة دون أن تترك شيئًا إضافيًا، وحملت حقيبتها وغادرت كما دخلت، من دون أن تنظر خلفها أو تقول كلمة واحدة.

وقفت أمام الطاولة الفارغة لحظة، نظرت إلى الكرسي الذي تركته غير مرتب، إلى الطبق الذي لم تكمله، إلى المكان الذي ظللت أعتبره بيتي كل هذه السنوات، وشعرت لأول مرة أنني لم أُهَن بسبب خطأ، بل بسبب سني فقط، وأن الفتاة ظنت أنني أضعف من أن أرد أو أتذكر أو أرى.
لكنها لم تكن تعرفني جيدًا.
ولم تكن تعرف أن ذلك اليوم لن يمر كما مرّ غيره.
في تلك الليلة عدت إلى بيتي متعبة أكثر من المعتاد، لم يكن التعب في جسدي بل في صدري، شعور ثقيل ظل يرافقني وأنا أخلع حذائي وأضع حقيبتي على الطاولة الصغيرة بجوار الباب، جلست قليلًا في الظلام قبل أن أشعل الضوء، ووجدتني أفكر في جملة واحدة فقط قالتها تلك الفتاة، جملة بدت عابرة لكنها التصقت بي كشوكة صغيرة لا تُرى.
لم أكن غاضبة منها بقدر ما كنت متعجبة من سهولة القسوة عند بعض الناس، من قدرتهم على أن يختصروا إنسانًا كاملًا في رقم عمره، وكأن
السنوات عيب لا تجربة، وكأن التجاعيد دليل

تم نسخ الرابط