قصة دكتورة وحلم الامومة
أنا دكتورة نسا بعالج العقم بقالى أكتر من تسع سنين. لكن بعد شهرين بس من دخول راجل عجوز عيادتي.
مريضاتي بدأوا يجهضوا واحدة ورا التانية ولما فهمت الحقيقة اكتشفت إن الكارثة بدأت بسببي أنا.
أنا دكتورة نسا اسمي معروف في عـلاج العقم والحمل الصـعب لكن المفارقة القاسية إن بقالي تلات سينين متجوزة ومخلفتش ومع فشل كل المحاولات اتحولت من مثال للنجاح لمادة للتريقة وده بدأ يأثر على سمعتي وشغلي وجوازي.
أنا دكتورة نِسا بعالج العقم من أكتر من تسع سنين بس عمري ما كنت متخيلة إن أكتر حاجة هـتكسّرني في حياتي تكون الحاجة الوحيدة اللي معرفتش أعالجها عند نفسي.
اشتغلت وتعبت وسهرت وكنت دايمًا مثال للنجاح الناس تشاور عليّا وتقول دي دكتورة شاطرة دي بتفهم دي ربنا كارمها وأنا كنت أبتسم ومحدش كان يعرف اللي مستخبي ورا الابتسامة.
اتجوزت وأنا فاكرة إن الباقي هييجي لوحده شهر ورا شهر سنة ورا سنة وكل مرة أستنى وكل مرة أقول عادي بس جوه قلبي كان في خـوف بيكبر.
تحاليل أشعات منشـطات دكاترة زمايلي كلهم يقولوا نفس الكلام: مفيش سبب واضح وكل مرة أطلع من عندهم وأنا حاسة إني ولا حاجة لا دكتورة ولا ست.
الناس بدأت تتكلم الأول همس بعدين بقى عادي ستات تدخل تكشفي وتقوللي أصل حضرتك أكتر واحدة حاسة بينا وأفهم من نبرتها إنها مش قصداها طيبة.
كنت أرجع البيت مكسورة أحـضن المخدة
في يوم وأنا في نص الكشف دخلت عليّا رجل عجوز لا معاه ملف ولا حجز وشه مكرمش من العجز وقالي من غير ما يعرف عن نفسه: إنتي تـعبانة.
قلت ليه اطلعي بره انت ازاي تدخل العيادة كده بس هو كمل وقال تعبك مش مـرض..ده عمل معمولك.. ومش أي حد يفكه..وأنا الوحيد اللي أعرف.
ضحك ضحكة ناشفة بس لما بدأ يحكي تفاصيل من حياتي حاجات محدش يعرفها غيري رجلي ضعفت وحسّيت إني صغيرة قوي ومحتاجة أصدّق أي أمل.
قالي أسيبها يشتغل في العيادة يساعد ويحضر ويشوف الحالات وقال إن كل ده مؤقت وإن ربنا هيعوضني قريب وأنا وافقت على كلامه.
من يوم ما دخل العجوز العيادة اتغيرت الستات بقت تطلع تعبانة واحدة دوخة واحدة وجع غريب واحدة تبـكي من غير سبب والعجوز دايمًا يطمني ويقول متشغليش نفسك.. المهم انتي تبقي حامل.
بدأ يطلب دم زيادة شعر بواقي تحاليل وأنا أسكت نفسي وأقول أكيد فاهم أكيد عارف أكيد مش هيضر حد المهم أنا.
بعد أسبوعين أول إجهاض حصل وبعده واحد تاني وبعده حالات كانت طبيعية بقت عقم مفاجئ وأنا كنت أرجع البيت أمـوت من الذنب والعجوز يقوللي: دول كانوا بيتريقوا عليكي وده جزاتهم.
كنت سامعة صوت جوايا بيصرخ ويقول وقفي بس صوت أضعف كان بيغلبه صوت بيقولي استحملي شوية قربتي الحمل
عدّى شهرين كامل ستين يوم وأنا كل يوم بخـسر مـريضة وبخسر نفسي لحد الصبح اللي دخلت فيه العيادة ملقتهوش اختفى ولا كأنه كان موجود أصلًا…ساعتها بدأت الكـارثة الحقيقية.
بعد ما الراجل العجوز اختفى حاولت أقنع نفسي إن اللي فات كـابوس وعدّى دخلت العيادة أظبط الشغل بس كل حاجة كانت غـلط ملفات ناقصة عينات مش موجودة وإحساس تقيل إن في مـصيبة جاية.
تاني يوم حسّيت بألم غريب وجع مش شبه أي وجع رحت كشفت وأنا مطمّنة نفسي دكتورة زيي أكيد فاهمة بس أول ما شفت نظرة زمايلي عرفت إن في خبر أسود.
قالولي بهدوء بيوجع أكتر من الصريخ: في ورم خبيث في الرحم ولازم استئصال فورًا الكلمة نزلت عليّا زي حجر حسّيت إني فقدت أنوثتي قبل ما أفقد حلمي.
وأنا لسه بستوعب الصدمة جالي اتصال تاني مش من دكتور من جهة رسمية بيقولولي إن في بلاغات ضدي إجهاضات متعمدة وإهمال واستغلال مرضى.
روحت التحقيق وأنا تعـبانة جـسمي بيوجعني وقلبي مكسور حكيت كل حاجة قلت إن في راجل عجوز سحر خداع استغلال ضعفي بس نظراتهم كانت قاسية.
قالولي كلمة عمري ما أنساها: إنتِ طبيبة متعلمة فاهمة مينفعش تصدقي الخرافات ومينفعش تهربي من المسؤولية وكل اللي حصل اتحط على كتافي أنا.
اتحبست والعيادة اتقفلت واسمي اللي كان بيتقال بفخر بقى بيتقال بفضيحة وجوزي مقدرش يستحمل الطـلاق حصل بهدوء موجع كأننا
دخلت العمليات واتشال الرحم اتشال حلم اتشال مستقبل كنت برسمه اتمسح وبعدها رجعت السـجن تعـبانة مـريضة لوحدي مفيش غير الحيطان.
في الزنزانة كان عندي وقت أفكّر لأول مرة أبص لنفسي بصدق وأعترف إني لما ضعفت ما لجأتش لربنا لجأت للي وعدني بطريق سهل.
افتكرت كل مرة سيبت الصلاة وقلت بعدين كل مرة دعيت باستعجال وكل مرة فقدت الصبر وفتحت باب للي دخل من أضعف نقطة فيّا.
فهمت متأخر إن الشـيطان مش بييجي بقرون بييجي في صورة أمل في صورة إنسان بيطبطب ويقولك حقك ويطلب منك تسكتي على أذى غيرك.
افتكرت الراجل العجوز صوته الهادي كلامه اللي كان بيريّحني ووعده اللي كنت متعلقة بيه وفهمت إن الطبطبة كانت فخ وإن الأمل السريع كان طريق الهلاك.
دلوقتي أنا هنا في مكان ضيق مفيهوش حاجة غير التفكير خـسرت شغلي وخـسرت جوازي وخـسرت حلم الأمومة وخسرت سمعتي قدّام الناس وكل ده وأنا كنت فاكرة نفسي قوية.
القوة الحقيقية ما كانتش في علمي ولا في شهادتي ولا في شغلي القوة كانت في باب واحد أنا سيبته مفتوح وتجاهلته سنين باب ربنا باب الصبر وباب الرضا.
مفيش خلاص غير في الاحتماء بالله مفيش طريق تاني مفيش حل سهل ومفيش وعد من غير ثمن.
الخلاص الحقيقي مكانها الوحيد عند ربنا مش في طرق ملتوية ولا حلول سريعة ومش في وعود بتلمع وتغري لكنها مدفوعة الثمن من روحك وعُمرك