خرجت طفلة صغيرة لتأكل قطعة كعك… ولم يكن أحد يعلم أنها لن تعود بعدها أبدًا.
كان صباح يوم أحد في لا فيرجينيا، وكان كل شيء يسير بشكل طبيعي تمامًا، لكن هذا الهدوء كان يخفي خلفه شيئًا آخر. عاد ويليام فالنسيا وزوجته إلى المنزل بعد ساعات طويلة من العمل، وكل ما كانا يفكران فيه هو الراحة. غير أن الزوجة، ما إن دخلت المنزل، حتى شعرت بشيء غريب لا تستطيع تفسيره.
نظرت حولها للحظات، ثم قالت بصوت متردد
أين أنجي؟
لم يكن السؤال في البداية مدعاة للقلق، فالأطفال كثيرًا ما يتحركون داخل المنزل دون أن يلحظهم أحد، لكن الصمت الذي تلا السؤال كان مختلفًا. انتظرت قليلًا، ثم نادت مرة أخرى، هذه المرة بنبرة أعلى
أنجي، أين أنتِ؟
لم يجبها أحد.
في تلك الأثناء، وتحت أشعة شمس حارقة، بدأ مشهد غير مألوف يتشكل في أحد حقول قصب السكر. كانت النسور تحوم في السماء ثم تهبط في نقطة محددة، وكأنها تجمعت حول شيء ما. أثار ذلك انتباه أحد العمال، فتقدم بخطوات حذرة، وكلما اقترب، ازداد شعوره بعدم الارتياح، حتى توقف فجأة وقد انعقدت ملامحه من الصدمة. هناك، بين صفوف القصب، كانت بقايا جثة متحللة بدأت تظهر بوضوح.
لم يستغرق التعرف عليها وقتًا طويلًا؛ لقد كانت جثة أنجي سيومارا فالنسيا كارديناس، التي اختفت قبل أقل من ثمانية أيام.
غير أن الصدمة الحقيقية لم تكن في العثور على الجثة، بل في هوية من ارتكب هذه الجريمة. لم يكن شخصًا غريبًا، بل كان قريبًا جدًا من العائلة، يعرف المكان جيدًا، ويعرف كل زاوية فيه، بل وشارك في البحث عنها طوال أسبوع كامل، وكأنه واحد من أفراد العائلة.
ومن هنا، تبدأ إعادة بناء الأحداث، كما يفعل المحققون، من خلال تتبع التسلسل الزمني، والاستماع إلى الروايات المختلفة، والانتباه إلى التفاصيل الصغيرة التي بدت عادية في حينها، لكنها
وُلدت أنجي سيومارا فالنسيا كارديناس في عائلة فلاحية بسيطة. كان والدها، ويليام فالنسيا، يعمل في مكافحة الآفات، بينما كانت والدتها، ألبالوز كارديناس، تعمل في تعبئة ثمار القشطة في مزرعة في لا فيرجينيا. كانت حياة الأسرة متواضعة، لكنها مستقرة، يغلب عليها الترابط والاعتماد المتبادل.
عندما وُلدت أنجي، شعرت ألبالوز بسعادة كبيرة، وكانت ترى فيها طفلة مميزة، جميلة وهادئة، وكانت تقول دائمًا إن اللعب معها يشبه اللعب بدمية صغيرة. ومع مرور السنوات، بدأت تلاحظ ذكاءها وسرعة فهمها، ما زاد من تعلقها بها.
كانت العائلة تقيم في منزل مجاور لمنزل فيكتور ألفونسو كاردونا، شقيق ألبالوز، الذي انضم إليهم عام 2008. كانت ألبالوز تكنّ لأخيها محبة خاصة، وكانت تعتبره الأقرب إلى قلبها، بل تصفه بأنه نور عينيها. وقد زادت هذه المشاعر بسبب ما مرّ به في طفولته، إذ نشأ بعد فقدان والدته في سن مبكرة، دون سند حقيقي، فشعرت ألبالوز بمسؤولية كبيرة تجاهه، وحرصت على دعمه والوقوف إلى جانبه.
عمل فيكتور لعدة سنوات حارسًا لحقول قصب السكر القريبة من لا فيرجينيا، وكان يعرف تلك المنطقة معرفة دقيقة. ورغم الظروف الاقتصادية الصعبة، لم تكتفِ العائلة باستضافته، بل تبنت أيضًا طفلتين توأم، أصبحتا شقيقتي أنجي الصغيرتين.
في عام 2012، كانت أنجي في الصف الرابع. وفي صباح يوم الأحد الموافق 28 أكتوبر، اضطر ويليام وألبالوز إلى مغادرة المنزل في وقت مبكر جدًا للوقوف في طابور الحصول على إعانة من برنامج حكومي.
خلال تلك الساعات، بقي الأطفال الأربعة في المنزل أنجي، وشقيقها، والتوأمان. ولم يكن فيكتور موجودًا في ذلك الوقت، إذ كان قد غادر في اليوم السابق إلى مزرعة ولم يقضِ الليل في المنزل. غير أنه، وعلى ما يبدو، عاد في صباح ذلك اليوم قبل وصول الوالدين.
وعندما عاد ويليام وألبالوز إلى المنزل قرابة الساعة الحادية عشرة، سمعا صوت موسيقى مرتفعة من الداخل. نظر ويليام إلى زوجته وقال بضيق
عاد فيكتور.
دخلا المنزل، فوجداه جالسًا في غرفة المعيشة، يشرب بمفرده. كان المشهد مألوفًا، لكنه لم يكن مريحًا. طلب ويليام من زوجته أن تطلب منه خفض الصوت، ثم قال بصوت واضح وهو يهم بالصعود
خفّض الموسيقى قليلًا، أريد أن أرتاح.
وافق فيكتور، وخفّض الصوت.
في تلك الأثناء، كانت أنجي في الفناء تمشط شعر شقيقتيها التوأم بعد أن أنهت تحميمهما. اقتربت من والدتها وقالت بابتسامة بسيطة
انتهيت يا أمي.
ابتسمت ألبالوز وربتت على رأسها قائلة
أحسنتِ يا دميتي، لقد ساعدتِني كثيرًا.
ثم أضافت أنجي
سأمشط شعري وأستحم.
وقبل أن تذهب، سألت
هل يمكنني أن آخذ قطعة من الكعكة؟
أجابتها أمها
نعم، ولكن لا تخرجي من المنزل، سنرتاح قليلًا فقط.
صعد الوالدان إلى الطابق العلوي، وغرقا في نوم عميق من شدة الإرهاق، بينما بقي فيكتور في غرفة المعيشة، يشرب ويستمع إلى الموسيقى. أما أنجي، فقد فرشت ملابسها على السرير استعدادًا للاستحمام، ثم توجهت إلى المطبخ.
مرّ الوقت ببطء.
بعد نحو ساعة ونصف، استيقظت ألبالوز فجأة، وقد عاد ذلك الشعور الغريب يسيطر عليها. نظرت حولها بقلق، ثم نادت
أنجي؟
لم يأتِها رد.
نزلت إلى الأسفل بسرعة،
هل رأيت أنجي؟
أجاب بهدوء
نعم، طلبت مني قطعة نقدية ثم خرجت لم تعد بعد ذلك.
توقفت ألبالوز للحظة، وكأنها تحاول استيعاب ما سمعت، ثم قالت بقلق
لكنني طلبت منها ألا تخرج.
صعد ويليام ليتفقد الغرفة، فوجد ملابسها ما تزال موضوعة كما هي، لم تُلمس. عندها بدأ القلق يتحول إلى خوف حقيقي.
مع مرور الوقت، ازداد التوتر. ومع اقتراب الساعة الثالثة أو الرابعة عصرًا، أصبح من الواضح أن الأمر ليس طبيعيًا. خرجت العائلة تبحث عنها في كل مكان. سألوا صديقها آندي، لكنه قال إنه لم يرها. اتصلوا بأقاربهم، لكن لم يكن لدى أحد أي خبر.
قال أحد الجيران إنه رآها في الصباح تأكل قطعة من الكعكة، لكنها كانت وحدها. بعد ذلك، لم يستطع أحد تحديد مكانها.
انضم فيكتور إلى البحث، وسار معهم في الطرقات والحقول، ينادي باسمها كما يفعل الجميع. ومع حلول الليل، لم يظهر أي أثر لها.
في اليوم التالي، استمر البحث منذ الصباح الباكر. كانت الأخبار متضاربة، وقيل إنها شوهدت في أماكن مختلفة، لكن كل محاولة كانت تنتهي بلا نتيجة. وبينما كانوا ينتقلون من مكان إلى آخر، قال فيكتور إن دراجتها السوداء اختفت أيضًا، ما زاد من غموض الموقف.
وفي يوم الثلاثاء، 30 أكتوبر، أُضيف اسم أنجي سيومارا رسميًا إلى قائمة المفقودين. انتشرت المنشورات في الأحياء والبلدات المجاورة، وشارك الجميع في البحث، بما في ذلك الجيران وأصدقاء العائلة، ومن بينهم فرناندو مونتويا وزوجته.
تحولت الأيام إلى حالة من القلق المستمر، والبحث المتواصل في كل الاتجاهات، داخل لا فيرجينيا وخارجها، وحتى في المناطق المجاورة. ومع ذلك،
في يوم الأربعاء الموافق 31 أكتوبر، لم تعد القصة