سائقُ حافلةٍ صغيرةٍ كان يُقلُّ امرأةً عجوزًا صامتة مجانًا كلَّ يوم… رغم سخرية الجميع منه

لمحة نيوز

سائقُ حافلةٍ صغيرةٍ يُقلُّ امرأةً عجوزًا صامتة مجانًا كلَّ يوم… رغم سخرية الجميع منه

لم يكن حسن مجرّد سائقٍ يسعى وراء رزقه، بل كان رجلًا بسيطًا يحمل في داخله قلبًا أثقلته التجارب، لكنه لم يفقد إنسانيته يومًا.

في موقف الحافلات، حيث تختلط أصوات المحرّكات بصخب السائقين، كانت السخرية أمرًا معتادًا، لكنها لم تكن تمرّ على حسن دون أن تترك أثرًا خفيًا في داخله.

"يا حسن! هل ستُصعدها مجددًا؟ تلك المجنونة؟! أنت بالكاد تسدّ يومك، وتُهدر مكانًا في الحافلة! لن تُصبح غنيًّا بالعطف!"
هكذا صاح سعيد، مسؤول التنظيم، بينما تعالت ضحكات بقية السائقين من حوله، وكأنّ المشهد تكرّر كثيرًا حتى صار مادةً للسخرية اليومية.

مسح حسن جبينه بقطعة قماشٍ قديمة، نظيفة رغم بهتانها، ثم رفع نظره بهدوء، لا ليردّ، بل ليتجاهل، فقد اعتاد أن يبتلع الكلمات كما يبتلع همومه.

في الخامسة والخمسين من عمره، لم يعد يستغرب قسوة الآخرين، فقد صار الصمت درعه الوحيد، والابتسامة الخفيفة طريقته في العبور من دون صدام.

أدار محرّك حافلته

التي أنهكها الزمن، وانطلق في طريقه المعتاد.

في المقعد الخلفي، جلست المرأة العجوز، بهيئةٍ توحي بالفقر الشديد، ثيابها متراكمة فوق بعضها، كأنها تحتمي بها من بردٍ لا يُرى، وذراعاها تحيطان بسلةٍ مهترئة تحتضنها بقوة، وكأنها الشيء الوحيد الذي تملكه في هذا العالم.

لم يكن أحد يعرف اسمها الحقيقي، ولم يحاول أحد أن يعرف، فقد اكتفوا جميعًا بمناداتها: "العجوز الصامتة".
لم تكن تتحدث، لا تشكو، لا تطلب، ولا حتى تنظر في عيون الآخرين طويلًا، وكأنها تعيش في عالمٍ منفصل.

كانت تصعد كل يوم…
وكان حسن، كل يوم، يتركها تجلس دون أن يطلب منها أجرة.

لم يكن يرى في ذلك خسارة، بل كان يراه دينًا قديمًا يحاول سداده.

ففي كل مرة تقع عيناه عليها، تعود إلى ذهنه صورة والدته، وهي ممدّدة على الطريق، بلا مساعدة، بلا رحمة، بلا أحدٍ يدفع عنها أجرة الطريق إلى المستشفى… حتى رحلت.

ومنذ ذلك اليوم، أقسم في داخله ألا يترك إنسانًا محتاجًا يمرّ أمامه دون أن يمدّ له يد العون، مهما كان الثمن.

لكن الحياة… لا تترك أصحاب القلوب الطيبة

دون اختبار.

في إحدى الليالي، بعد يومٍ طويل، جلس حسن في منزله المتواضع، يفرغ جيوبه من بضع عملاتٍ معدودة، يعدّها ببطء، كأنّه يحاول أن يقنع نفسه بأنها تكفي.

كان الصمت يملأ المكان، حتى قطعه رنين هاتفٍ مفاجئ.

رفع الهاتف، ليأتيه صوت زوجته مرتجفًا، محمّلًا بالخوف.

ابنهما الوحيد، يوسف…
نُقل على وجه السرعة إلى أحد المستشفيات الكبرى، بعد إصابته بحالةٍ حادّة من حُمّى الضنك.

تجمّد حسن في مكانه.

لم يستوعب الكلمات في البداية، وكأنها قيلت لشخصٍ آخر، لكن مع تكرارها، بدأت الحقيقة تثقل صدره.

كانت حالة الطفل حرجة، ويحتاج فورًا إلى نقل دم، إضافةً إلى مبلغٍ كبير—خمسين ألفًا—كدفعةٍ أولى قبل إدخاله إلى وحدة العناية المركّزة.

في تلك اللحظة، لم يعد يسمع شيئًا.

شعر وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميه، وكأن العالم كلّه انهار دفعةً واحدة.

دخل يومه كلّه بالكاد بخمسمئة، مبلغٌ لا يكاد يُذكر أمام ما يُطلب منه.
جلس للحظات، ينظر إلى النقود في يده، ثم أغلق قبضته عليها بقوة، وكأنّه يرفض واقعًا لا يستطيع تغييره.

لكن اليأس لم يكن خيارًا.

خرج مسرعًا، طرق أبواب أقاربه، واتصل بأصدقائه، وطلب العون من كلّ من يعرفه، حتى من أولئك الذين سخروا منه، لكن الحقيقة كانت أقسى من احتماله… الجميع كان عاجزًا.

لا أحد يملك ما يعطيه.
لا أحد يستطيع إنقاذه.

وفي نهاية تلك الليلة الطويلة…
وجد حسن نفسه وحيدًا، بين خوفٍ على ابنه، وعجزٍ يكاد يخنقه.

انهار عالمُ حسن في تلك اللحظة، وكأنّ كلّ ما كان يستند إليه قد تلاشى دفعةً واحدة.
لم يجنِ طوال يومه سوى نحو خمسمئة، مبلغٌ لا يكاد يُذكر أمام ما يحتاج إليه لإنقاذ حياة ابنه.

اجتاحه اليأس، وبدأ يطرق كلّ بابٍ يعرفه، يستدين من أقاربه، ويتوسّل إلى أصدقائه، بل حتى قصد زملاءه السائقين الذين لم يكفّوا يومًا عن السخرية منه، لعلّ أحدهم يمدّ له يد العون، لكن الحقيقة كانت أشدّ قسوة… الجميع كان عاجزًا، لا أحد يملك ما يقدّمه.

وفي صباح اليوم التالي، كانت حافلته متوقفة في زاويةٍ معتمة من موقف المستشفى، كأنها تشاركه عجزه وصمته.
لم يكن لديه ما يدفعه للعمل، ولا ما يدفعه حتى للحركة.

أسند رأسه إلى المقود، وغرق في بكاءٍ مكتوم، ثم انفجر باكيًا كطفلٍ فقد كلّ شيء، يناجي ربّه برجاءٍ صادق، أن ينقذ ابنه، أن يمنحه فرصةً أخرى، أيّ فرصة.

تم نسخ الرابط