قالت الطفلة، ذات التسع سنوات، بصوتٍ مرتجف
سقطت الكلمات كأنها حجرٌ ثقيل في قلب البيت
ولم تمهل الأم أمينة نفسها لحظة واحدة
ففي تلك الثانية، حطّمت حياة ابنها قاسم الشاب الذي لم يتجاوز الثامنة عشرة دون أن تسأله
دون أن تنظر في عينيه
ودون أن تسمع منه كلمة دفاع واحدة.
في تلك الليلة
داخل ممر مستشفى الجمهورية في بغداد
كان الزمن يبدو كأنه توقف.
عقارب الساعة تتحرك نعم
لكن كل ثانية كانت تمر، كانت تثقل صدر أمينة أكثر، كأنها عقوبة لا تنتهي.
الضوء الأحمر ما زال مضاءً خارج غرفة العناية المركزة
وفي الداخل، كانت أصوات الأجهزة لا تهدأ،
وحركة الأطباء متسارعة،
وبين لحظة وأخرى، يعلو أنين سارة الخافت
ذلك الأنين الذي كان يمزّق الصمت الذي فرضته العائلة منذ عامين
يوم طردوا ابنهم من البيت.
قال الطبيب، بنبرة حاسمة
سيدتي، يجب أن نتحرك بسرعة. إن كان لها أخٌ شقيق فاتصلوا به فورًا. ليس لدينا وقت.
أخ
ترددت الكلمة على شفتي أمينة، وكأنها لم تسمعها من قبل
ثم عادت إليها الصورة دفعة واحدة
قاسم
واقف عند باب البيت
وجهه ملوّث بالدم
وعيناه مليئتان
وهو يقول للمرة الأخيرة
أمي اسمعيني فقط اسمعيني
غطّت وجهها بيديها
عامان كاملان، وهي تقنع نفسها أنها فعلت الصواب
أنها حمت ابنتها
لكن الحقيقة الآن كانت أقسى من أن تُنكر
قرارها القديم
قد يقتل ابنتها اليوم.
كان الأب، أبو قاسم، صامتًا طوال الوقت
لكن صوته خرج أخيرًا، مرتجفًا
يجب يجب أن نجده.
همست أمينة، وصوتها بالكاد يُسمع
أين؟ لقد قطعنا كل شيء غيّرنا أرقامنا وطلبنا من الجميع ألا يتواصل معه
أخرج الأب هاتفه
وبحث في قائمة الأسماء القديمة
اسم قاسم
ما زال محفوظًا.
اتصل.
لا رد.
أعاد الاتصال.
لا شيء.
مرة أخرى الصمت نفسه.
تبادلا نظرة ثقيلة
وهنا فقط أدركا الحقيقة كاملة
لم يطردا ابنهما فحسب
بل أزالا كل طريق قد يعيده إليهما.
قال الأب بسرعة
سأذهب إلى جامعته أسأل عنه.
في هذا الوقت؟
قالتها أمينة بصوت متقطع،
وكان الفجر يقترب.
في تلك اللحظة، اقتربت منهما ممرضة مسرعة
الطبيب يسأل هل وجدتم متبرعًا؟ حالة الفتاة تتدهور.
انكسر شيء في داخل أمينة
كادت تصرخ
سنجدُه
لكن الطبيب كان واضحًا
لا نملك رفاهية الانتظار.
خرج الأب مسرعًا من المستشفى
يتصل بكل من يعرف
أصدقاء قدامى
معارف من الحي
أحدهم قال
سمعت أنه غادر بغداد.
وآخر قال
ربما يعمل في مكان ما لكن لا أعرف أين.
مجرد ظنون
لا شيء مؤكد.
بدأ ضوء الصباح يتسلل
ودخلت خيوط الشمس الخافتة من نوافذ المستشفى
لكن حالة سارة
كانت تزداد سوءًا.
الأطباء يحاولون إبقاءها مستقرة
لكن الجملة نفسها تتكرر
بدون كلية لا يوجد حل.
جلست أمينة أمام غرفة العناية المركزة
وترددت في رأسها كلمات قالتها قبل عامين
بالنسبة لنا أنت ميت.
في تمام الساعة العاشرة صباحًا
عاد الأب مسرعًا، وبيده ورقة
وجدت خيطًا ربما
نهضت أمينة فجأة
أين هو؟!
قال وهو يلهث
أحد زملائه قال إنه يعمل في مستوصف صغير قريب من الكرادة كمساعد طبي.
تحركا فورًا
كان المستوصف بسيطًا
مزدحمًا بالناس
رائحة الدواء تملأ المكان
والتعب واضح في وجوه الجميع.
في الاستقبال، رفعت شابة رأسها وقالت
قاسم؟ نعم يعمل هنا في الداخل.
توقفت أمينة في مكانها
وشعرت أن قدميها لم تعودا تحملانها
فما ستراه الآن
ليس مجرد ابنٍ غاب لعامين
بل الحقيقة
التي هربت منها طويلًا وعادت لتقف أمامها.
وبعد ثوانٍ، انفتح الباب، وظهر قاسم مرتديًا معطفًا أبيض، أنحف مما كان عليه، ومنحني الظهر قليلًا، لكن ملامحه لم تتغير، كأن الزمن مرّ عليه قاسيًا دون أن يمحو أثره. تلاقت الأعين في لحظة صامتة، لحظة توقّف فيها كل شيء، وبدا الذهول واضحًا على وجهه قبل أن يسأل بهدوء متردد
أنتم هنا؟
تلعثم الأب وهو يحاول أن يجمع كلماته
سارة في المستشفى حالتها خطيرة تحتاج إلى كلية.
شحب وجه قاسم للحظة، لكنه تماسك سريعًا وسأل بصوت منخفض
ماذا حدث لها؟
عندها انهارت أمينة بالبكاء، وقالت بصعوبة
حادث والأطباء يقولون إن أخاها هو الأمل الوحيد.
ساد الصمت بينهما، صمت ثقيل يحمل سنوات من القطيعة، خفض قاسم نظره للحظات، ثم رفعه وقال بهدوء بسيط وكأنه اتخذ قراره منذ زمن
لنذهب.
لم تتوقع أمينة هذه الاستجابة، بل زاد ذلك من شعورها بالذنب، وكأن رحمته جاءت لتفضح قسوتها. في المستشفى
التطابق تام.
عندها بكت أمينة، لكن دموعها لم تكن راحة، بل كانت ثقلًا متراكمًا من الندم.
قبل العملية، كان قاسم يجلس وحده. اقتربت أمينة ببطء، ولأول مرة منذ عامين وجدت نفسها تقف أمامه دون كلمات كافية، قالت بصوت مرتجف
قاسم
رفع عينيه إليها، كانتا هادئتين، لكن خلف