ظننت أنني فقط أُطعم رجلًا محتاجًا من الشارع
نظرت يمينة إليه بعدم فهم:
"ماذا تقصد؟"
ابتلع ريقه بصعوبة: "كان هناك… رجل آخر معي في السيارة."
سقطت الكلمات علينا كالصاعقة.
يمينة هزّت رأسها فورًا:
"لا… هذا مستحيل… كنت وحدك."
لكنه لم يتراجع.
"لا… أتذكر… كنا نتشاجر"
اتسعت عيناي.
"تتشاجر؟ مع من؟"
وضع يده على رأسه، وبدأ يتنفس بسرعة:
"لا أرى وجهه… لكنني… أعرفه…"
اقتربت يمينة أكثر، وكأنها تخشى الإجابة:
"هل كان صديقًا؟"
هز رأسه ببطء.
"لا… لم يكن صديقًا…"
سكت لحظة ثم قال جملة…
جعلت الدم يبرد في عروقي:
"كان يريد شيئًا مني."
تبادلنا النظرات.
شيء ما في القصة… لا يتطابق مع ما كانت يمينة تعرفه طوال حياتها.
الحادث لم يكن مجرد حادث.
كان هناك شخص آخر وشجار ودافع.
سألتُه بهدوء:
"هل تتذكر ماذا حدث بعد ذلك؟"
تنفّس بعمق ثم قال:
"السيارة انزلقت… سقطنا في الماء وأنا… خرجت…"
سكت.
نظرت إليه بتركيز:
"والرجل الآخر؟"
رفع رأسه ببطء وعيناه مليئتان بالخوف.
"لم يخرج."
سقط الصمت.
لكن قبل أن نسأله أي شيء آخر أضاف جملة أخيرة…
وكأنها خرجت منه دون وعي:
"لكن… لم أتمكن من إنقاذه"
تجمّدنا جميعًا.
اقتربت يمينة منه، وصوتها يرتجف: "ماذا تقصد؟"
نظر إليها، حاول أن يتكلم، ثم قال:
"أنا…"
وتوقّف فجأة، ضغط على رأسه بقوة، وانحنى قليلًا وهو يصرخ، ولم يعد قادرًا على إكمال كلمة واحدة. كانت أنفاسه متقطّعة، ووجهه شاحبًا.
حاولت يمينة أن تسأله مرة أخرى، لكنه لم يجب… فقط هزّ رأسه ببطء، كأنه يرفض العودة إلى تلك اللحظة.
أما أنا، فكنت
بدأت الأسئلة تتزاحم في رأسي: من كان ذلك الرجل؟ ولماذا كان معه في السيارة؟ وماذا حدث فعلًا في تلك الليلة قبل ثلاثين عامًا؟ والأهم… هل كان عبد القادر ضحية أم جاني؟
لم أعد أنظر إلى عبد القادر كما كنت أفعل قبل ساعات، ولم تعد يمينة تراه فقط الأب الذي عاد بعد غياب ثلاثين عامًا، بل رجل يحمل في داخله سرًا ثقيلًا.
جلسنا في تلك الليلة في صمت طويل، لا يقطعه إلا صوت أنفاسه المتعبة، وهو يضع يده على رأسه كأن الذكريات تحاصره من كل اتجاه، تحاول أن تخرج بالقوة بعد سنوات من الاختباء.
لم أستطع تجاهل ما قاله. لم يكن وحده في السيارة. كان هناك رجل آخر. وكان هناك شجار.
وكانت هناك لحظة لم تكتمل تفاصيلها بعد. نظرت إلى يمينة، فوجدتها شاحبة، عيناها غارقتان في خوف لم تعشه حتى يوم وفاة والدها، وكأنها تدرك في أعماقها أن الحقيقة القادمة لن تكون سهلة.
في اليوم التالي، قررت أن أبحث. لم أستطع أن أبقى متفرجًا. ذهبت إلى الأرشيف المحلي في سطيف، حيث وقعت الحادثة قبل ثلاثين عامًا
وقضيت ساعات طويلة بين الأوراق القديمة والملفات الصفراء، أبحث عن أي ذكر لذلك الحادث. لم يكن الأمر سهلًا، لكنني وجدته في النهاية. حادث فيضانات مروّع، سيارة جرفتها المياه، رجل يُدعى عبد القادر فُقد وأُعلن موته، لكن… لم يكن الاسم الوحيد في التقرير.
توقفت عند سطر كاد يُطمس مع الزمن. اسم رجل آخر. "مراد بن يوسف".
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي. إذن عبد القادر لم يكن يتوهّم. كان هناك شخص آخر فعلًا.
أكملت القراءة، فوجدت أن التقرير أشار إلى أن مراد كان رجل أعمال معروفًا في تلك الفترة، وأنه اختفى في نفس الحادث، لكن الغريب أن عائلته أعلنت وفاته بعد فترة قصيرة، وتم إغلاق الملف دون تحقيقات موسّعة بسبب الظروف الجوية القاسية وقتها.
عدت إلى المنزل وأنا أحمل ثقلًا أكبر مما خرجت به. عندما أخبرنا عبد القادر بالاسم، تغيّر وجهه فورًا، كأن شيئًا انكسر داخله فجأة. جلس بصمت، ثم قال بصوت منخفض: نعم… مراد… الآن أتذكر.
نظرت إليه يمينة، وكأن قلبها يتوقف مع كل كلمة. سألته: ماذا كان يفعل معك؟ ولماذا كنتم معًا في تلك الليلة؟
أغمض عينيه، وأخذ نفسًا طويلًا، ثم بدأ يتكلم ببطء، كأن كل كلمة تخرج منه مؤلمة. قال إن مراد لم يكن صديقًا، بل كان شريكًا قديمًا في عمل صغير ثم تحوّل الأمر إلى خلاف كبير.
كان مراد يريد منه أن يوقّع على أوراق تتعلق بقطعة أرض ورثها عبد القادر عن والده، أرض ذات قيمة كبيرة، لكنه رفض. لم يكن يريد أن يبيعها أو يدخل في صفقات مشبوهة، لكن مراد أصرّ، وبدأ يضغط عليه بطرق لم يكن يتوقعها.
في تلك الليلة، التقيا مجددًا. قال عبد القادر إن مراد أصرّ على أن يوصله بسيارته، بحجة الحديث الأخير وإنهاء الخلاف، لكنه شعر منذ البداية أن شيئًا ليس طبيعيًا.
الطريق كان مظلمًا، والمطر بدأ يهطل بشدة، والسيول كانت تتجمع على الطريق. داخل السيارة، تصاعد النقاش بسرعة، وتحول إلى شجار حاد. قال إن مراد فقد أعصابه، وبدأ يهدده صراحة، إما أن يوقّع أو يندم.
ثم… فقد السيطرة.
انزلقت السيارة.
صرخت يمينة دون وعي وهي تسمع التفاصيل، بينما أكمل عبد القادر
حاولت أن أعود إليه، أقسم أنني حاولت، لكنه كان عالقًا… والماء كان يرتفع بسرعة… لم أستطع…
ثم سكت، وانهمرت دموعه بصمت. لم يكن يبكي فقط على ما حدث، بل على ثلاثين عامًا عاشها دون أن يفهم لماذا يشعر بثقل في صدره، بثقل لم يكن له اسم.
نظرت إلى يمينة، فوجدتها تبكي أيضًا.
اقتربت منه ببطء، وجلست أمامه، ثم أمسكت بيده وقالت بصوت هادئ: أنت لم تقتله… أنت كنت تدافع عن نفسك… وهذا ليس ذنبًا.
رفع عينيه إليها، وكأنه يسمع تلك الكلمات لأول مرة منذ ثلاثين عامًا. ربما كان يحتاج فقط أن يخبر أحدًا… أن يخرج هذا الحمل من داخله.
مرت الأيام بعد ذلك بشكل مختلف. لم يعد عبد القادر ذلك الرجل الضائع الذي وجدته أمام متجر البقالة، ولم يعد أيضًا مجرد ذكرى عادت من الماضي.
بدأنا نساعده على استعادة هويته، أعدنا له أوراقه، زرنا الطبيب بانتظام، وبدأت ذاكرته تعود تدريجيًا، ليس بالكامل، لكن بما يكفي ليعرف من هو، وأين ينتمي.
أما يمينة، فكانت تقضي معه ساعات طويلة، تحكي له عن حياتها، عن طفولتها التي كبرت فيها على غيابه، عن أمها التي ماتت وهي تنتظره، وعن نفسها… كيف تعلمت أن تعيش وهي تحمل فراغًا لم تفهمه إلا الآن.
وفي إحدى الليالي، بينما كنا نجلس معًا، نظر إليّ عبد القادر وقال بابتسامة هادئة: لم أكن أعلم أن دعوة بسيطة على العشاء… يمكن أن تعيد إنسانًا إلى حياته.
ابتسمت، لكن داخلي كان يفكر في شيء آخر. كم من الأشخاص نمرّ بهم كل يوم دون أن نعرف قصصهم؟
أنا لم أحضر رجلًا غريبًا إلى منزلي في تلك الليلة. أنا أعدت أبًا إلى ابنته… وأعدت رجلًا إلى نفسه.
ويمينة… بعد ثلاثين عامًا من الانتظار… لم تعد تزور قبرًا فارغًا.
بل صارت تجلس كل مساء… بجانب أبيها الذي عاد من الموت.