اعتنيتُ بزوجي الغارق في الغيبوبة
اعتنيتُ بزوجي الغارق في الغيبوبة ثلاث سنوات كاملة.. أطعمتُه بيدي، وبدّلتُ ثيابه، وسهرتُ بجوار سريره كل ليلة.
لكن كل شيء بدأ ينهار حين وجدتُ في غرفة غسيله سروالًا داخليًا رجاليًا مستعملًا وعليه بقعة واضحة رغم أن زوجي عاجز عن الحركة منذ سنوات.
وفي الليلة نفسها، شممتُ على رقبته عطرًا رجاليًا ممزوجًا برائحة دخان سجائر.
حينها فقط أدركتُ أن هناك سرًا مرعبًا يُخفى عني داخل هذا البيت.
ولأكتشف الحقيقة، تظاهرتُ بالسفر لعدة أيام، ثم عدتُ سرًّا إلى المنزل عند الثانية صباحًا.
ووقتها اكتشفتُ السرّ الذي حطّمني.
في السنوات الثلاث الأخيرة، تحوّل بيتنا الكبير في ضواحي بيروت إلى ما يشبه غرفة عنايةٍ مركّزة.
مهما فتحتُ النوافذ مع أذان الفجر
ومهما أشعلت سعاد مبخرة العود بعد تنظيف الغرف
ومهما وضعتُ الزهور البيضاء في الممرات
كانت الرائحة تعود دائمًا.
رائحة الأدوية، والمعقّمات، وأجهزة الأوكسجين، والصمت الثقيل الذي يبتلع البيوت حين يغيب عنها أصحابها وهم ما زالوا أحياء.
زوجي، كريم حدّاد، كان غارقًا في غيبوبة منذ ثلاث سنوات.
ثلاث سنوات منذ تلك الليلة على الطريق الجبلي في الشوف، حين انقلبت سيارتنا أسفل المنحدر أثناء عودتنا من زيارة عائلية.
خرجتُ أنا بجروحٍ بسيطة وكسرٍ في ذراعي، أمّا كريم فقد وجدوه بين الحديد المحطّم، ينزف بصعوبة، وعيناه مغمضتان كأنه غادر الدنيا بالفعل.
قال
ثم قالوا إنه قد لا يستيقظ أبدًا.
وبعد مرور عامٍ كامل توقّفوا عن إعطائي أي أمل.
لكنني لم أتركه.
ليس لأنني امرأة خارقة كما كانت الجارات يقلن
ولا لأن حماتي، الحاجة وداد، كانت تكرّر أمام الناس أنني زوجة وفية نادرة.
بل لأنني أحببته.
ولأن الذنب حين يسكن قلب امرأة يجعلها مستعدة لتحويل حياتها كلها إلى سجنٍ بإرادتها.
كنت أعتني بكريم وحدي.
أبدّل له ثيابه، وأمشّط شعره، وأقصّ أظافره، وأدهن الكريم على ظهره وقدميه حتى لا تتقرّح بشرته من طول الرقود.
حتى صوت الأجهزة صار جزءًا من يومي.
وفي ذلك المساء، عدتُ من الشركة مرهقة بعد اجتماعٍ طويل مع الموردين والمحاسبين.
ألقيت حقيبتي قرب الباب، ثم صعدت مباشرة إلى غرفته كعادتي.
كان كريم مستلقيًا تحت الغطاء الأبيض.
هادئًا بصورةٍ مخيفة.
ملامحه ما زالت كما عرفتها أول مرة
وجهٌ حاد، ولحية خفيفة، وهيبة رجلٍ اعتاد أن يدخل أي مجلس فيلتفت الجميع نحوه.
لو رآه أحد من بعيد لظنّه نائمًا فقط.
لكن الاقتراب منه كان يكشف الحقيقة دائمًا
الأسلاك، والأجهزة، وذلك الجمود الذي يشبه الموت أكثر من النوم.
انحنيتُ لأقبّل جبينه
ثم توقّفت فجأة.
كانت هناك رائحة غريبة.
ليست رائحة الأدوية المعتادة.
بل عطر رجالي ثقيل وفخم ممزوج برائحة دخان سجائر بارد.
تجمّدتُ في مكاني.
كريم لم يدخّن منذ زواجنا.
وكريم لم يضع عطرًا منذ دخوله الغيبوبة.
وكريم من المفترض أنه لا يستطيع تحريك إصبعٍ واحد.
تراجعتُ ببطء وأنا أشعر بأن قلبي يهبط داخلي.
حاولت إقناع نفسي أنني أتوهّم.
ربما دخل أحدهم الغرفة ربما التصقت الرائحة بثيابه من الخارج
لكن شيئًا في داخلي أخبرني أن الأمر ليس طبيعيًا.
حاولت تجاهل الفكرة.
عدّلت وسادته، ثم حملت سلة الغسيل ونزلت إلى غرفة الغسالة.
وهناك
لمست يدي قطعة قماش مختلفة بين الملابس.
أخرجتها ببطء.
سروال داخلي رجالي داكن اللون، من نوعٍ باهظ الثمن.
لم يكن لكريم.
أنا من كنت أشتري له ملابس قطنية طبية واسعة تناسب حالته.
أما هذا
فكان لرجلٍ معافى.
رجلٍ يتحرّك.
وحين رأيت البقعة عليه
شعرت بالغثيان يضرب معدتي بعنف.
وقفت مستندة إلى الغسالة حتى لا أسقط.
كان هناك رجل يدخل غرفة زوجي.
وفي تلك اللحظة دخلت سعاد إلى المطبخ وهي تهمهم بصوتٍ خافت بينما تحرّك قدر الطعام على النار.
راقبتها بصمت.
كانت امرأة بسيطة تجاوزت الخمسين، تعمل عندي منذ الحادث، ولم أرَ منها يومًا ما يدعو للشك.
ومع ذلك سألتها
سعاد هل جاء أحد إلى البيت اليوم؟
رفعت رأسها باستغراب واضح.
لا يا سيدتي، لم يأتِ أحد غير الدكتورة رانيا صباحًا، وبعدها عامل الأوكسجين وضع الأسطوانات عند الباب وغادر.
ومتأكدة أن أحدًا لم يصعد إلى الأعلى؟
أقسم بالله لم يحدث ذلك.
كانت صادقة
لكنني تلك الليلة لم أنم.
ظللت مستلقية قرب كريم أراقبه في الظلام.
للمرة الأولى منذ سنوات لم أمسك يده.
كنت فقط أحدّق في وجهه وأنتظر أن يفتح عينيه فجأة ويقول إنني أتخيّل كل شيء.
لكنه بقي ساكنًا.
باردًا.
صامتًا.
وفي اليوم التالي، اشتريت كاميرا مراقبة صغيرة مخفية داخل مقبس كهربائي.
ركّبتها بنفسي في غرفته دون أن أخبر أحدًا.
مرّ اليوم الأول لا شيء.
الثاني لا شيء.
الثالث كل شيء طبيعي بصورة جعلتني أشعر بالخجل من نفسي.
لكن في الليلة الرابعة
عند الساعة الثانية بعد منتصف الليل
انقطعت الإشارة فجأة.
امتلأت شاشة هاتفي بالتشويش، ثم تحوّلت إلى السواد الكامل.
وظلّت هكذا ساعة كاملة.
وعندما عادت الصورة
شعرت ببرودة تسري في أطرافي.
كريم ما زال على السرير، نعم
لكن يده لم تعد في مكانها.
كانت فوق بطنه، وأصابعه متدلّية من حافة الفراش، كأن أحدًا حرّكها قبل لحظات.
تجمّدتُ تمامًا.
لم يكن ذلك تشويشًا.
أحدهم دخل الغرفة.
وأحدهم عطّل الكاميرا عمدًا.
وفي اليوم التالي، أخبرت الجميع أن لديّ رحلة عمل عاجلة إلى دبي لثلاثة أيام.
بدت سعاد قلقة عليّ كعادتها.
أما الدكتورة رانيا
فاكتفت بابتسامة هادئة وقالت
لا تقلقي، كريم سيكون بخير.
شيءٌ في نظرتها أخافني.
لم تكن نظرة طبيبة.
كانت نظرة شخصٍ يخفي سرًا.
خرجتُ بالحقيبة أمام الجميع لكنني
استأجرت غرفة صغيرة في فندق قريب، ثم عدت بعد منتصف الليل إلى الفيلا من الطريق الخلفي.
اختبأت بين الأشجار أراقب نافذة غرفة كريم.
وعند الثانية تمامًا
دخلت سيارة سوداء من الباب الخلفي.
كانت الدكتورة رانيا.
لم تطرق الباب.
استعملت مفتاحًا ودخلت وكأن البيت بيتها.
خلعتُ حذائي، ثم تسلّقت شجرة الجهنمية القديمة حتى