اعتنيتُ بزوجي الغارق في الغيبوبة
المحتويات
الشرفة.
مزّقت الأشواك ذراعي، لكنني لم أشعر بشيء.
اقتربت من الزجاج، وأبعدت الستارة قليلًا
ثم انهارت المرأة التي كنتها طوال ثلاث سنوات.
كريم
كان جالسًا على السرير.
ليس فاقدًا للوعي.
وليس عاجزًا.
بل جالسًا بكامل وعيه.
ثم وقف بهدوء، ومدّ كتفيه بتعب، واتجه نحو الطاولة ليصب لنفسه كوب ماء.
كان يمشي طبيعيًا.
بثبات.
كرجلٍ لم يكن مريضًا يومًا.
جلست رانيا على الأريكة، ثم قالت بضيق
لقد تعبت من هذه التمثيلية يا كريم طفلنا سيأتي إلى الدنيا قريبًا، ولا يمكن أن يبقى والده ميتًا أمام الناس إلى الأبد.
طفلنا.
شعرت بالأرض تميد تحت قدمي.
ثم ضحك كريم
تلك الضحكة التي انتظرت سماعها ثلاث سنوات كاملة
الضحكة نفسها التي كنت مستعدة يومًا أن أهب عمري كله مقابل أن أسمعها مرة أخرى.
ضحك كريم.
ليس بصوتٍ عالٍ
ولا كضحكة رجلٍ سعيد.
بل بتلك الطمأنينة الباردة لرجلٍ اعتاد خداع امرأةٍ تشاركه البيت نفسه، وتطعمه بيديها، وتغيّر له ثيابه، وتجلس كل ليلةٍ بجواره تقرأ له القرآن وتدعو الله أن يشفيه.
بقيتُ ملتصقة بزجاج الشرفة، ويدي ترتجفان فوق الحائط البارد، بينما أشواك الجهنمية مغروسة في جلدي دون أن أشعر بالألم.
نهضت الدكتورة رانيا من الأريكة، وعدّلت ياقة قميصه ثم وضعت يدها على بطنها المنتفخ قليلًا.
سارة ستعود بعد ثلاثة أيام ما زال أمامنا وقت لنُنهي
شعرتُ بقلبي يتوقّف.
تناول كريم كأس الماء، ثم اتجه نحو الخزانة الكبيرة في زاوية الغرفة.
ضغط على نقطة صغيرة في الخشب رأيتها مئات المرات من قبل دون أن أنتبه إليها.
وفجأة
تحرّك جزء من الجدار إلى الداخل ببطء.
لم تكن خزانة.
كانت بابًا سرّيًا.
وخلفه ظهر درج ضيّق مضاء بضوءٍ أصفر خافت.
داخل بيتي
داخل الغرفة التي بكيتُ فيها ثلاث سنوات كاملة.
نزل كريم أولًا، وتبعته رانيا.
انتظرتُ ثواني قليلة، ثم دخلتُ من الشرفة بعدما شعرت أن قلبي سيقفز من صدري من شدّة الخفقان.
كانت الغرفة تفوح برائحة العطر الرجالي والدخان.
أما السرير
فكان دافئًا.
دافئًا كأن زوجي نهض منه قبل دقائق، لا كرجلٍ يفترض أنه غارق في غيبوبة منذ سنوات.
اقتربتُ من الخزانة ودفعت اللوح الخشبي بحذر.
كان الدرج يقود إلى قبوٍ لم أكن أعلم أصلًا بوجوده تحت المنزل.
ومع كل درجةٍ كنت أنزلها كنت أشعر أن جزءًا مني يتحطّم.
في الأسفل ظهرت غرفة واسعة مجهّزة بالكامل.
أريكة فاخرة.
ثلاجة صغيرة.
ملابس رجالية.
علب سجائر وسيجار.
حاسوب مفتوح.
وجدار كامل معلّق عليه عشرات الملفات والأوراق.
لم يكن مخبأً مؤقتًا
بل حياة كاملة مخفية داخل بيتي.
رأيت صورًا لكريم داخل مطاعم وفنادق ومنتجعات بحرية، دائمًا ليلًا، يضع قبعة أو نظارة حتى لا يعرفه أحد.
ورأيت إيصالات سفر.
وحسابات
وفواتير أدوية مزوّرة.
ثم وقعت عيناي على ملفٍّ يحمل اسمي.
تجمّدتُ مكاني.
فتحته بيدين مرتجفتين
فوجدت نسخًا من توقيعاتي، وتحويلات مالية من حساباتي، ووثيقة تأمين على حياتي، ومسودّة طلب لإثبات أنني أعاني اضطرابًا نفسيًا بسبب الحزن المرضي والوسواس والبارانويا.
وضعت يدي على فمي حتى لا أصرخ.
فوقي مباشرة سمعت خطوات تقترب.
اختبأت بسرعة خلف عمودٍ إسمنتي.
دخل كريم القبو ومعه رانيا.
فتح الحاسوب بينما أخرجت هي وحدة تخزين صغيرة من حقيبتها.
قال كريم ببرود
عندما توقّع سارة على بيع أرض البقاع سنغادر نهائيًا. لم أعد أحتمل التمثيل كالميت.
وماذا لو بدأت تشكّ؟ سألته رانيا.
ابتسم بسخرية.
هي تشك بالفعل لذلك أخبرتها بحكاية السفر إلى دبي. كنت أريد أن أرى ماذا ستفعل.
عضضتُ يدي بقوة حتى لا يصدر مني صوت.
إذًا
كان يعلم.
ربما رآني أزرع الكاميرا.
وربما كان يراقبني منذ سنوات من هذا المكان، بينما كنت أبكي فوق جسده وأقرأ له القرآن كل ليلة.
وضعت رانيا وحدة التخزين فوق الطاولة وقالت بقلق
سعاد بدأت تلاحظ بعض الأشياء سألتني عن رائحة الدخان.
تغيّرت ملامح كريم فورًا.
إذًا سترحل مثلما رحلت هناء.
تجمّد الدم في عروقي.
هناء
الممرضة الليلية التي تركت العمل فجأة في السنة الثانية، بعدما أخبرونا أن ابنها مرض واضطرت للسفر إلى طرابلس.
لم أسمع
فتح كريم درجًا قريبًا وأخرج حقيبة سوداء صغيرة.
كان بداخلها هاتف قديم، وبعض الوصفات الطبية، وسلسال ذهب نسائي.
تعرّفت إلى الهاتف فورًا.
كان هاتف هناء.
شعرتُ بأن ساقيّ لم تعودا تحملانني.
أما رانيا فبدت هادئة بشكلٍ مرعب، كأنها تناقش أمرًا عاديًا.
لا أريد أخطاء أخرى ابني لن يولد وسط هذه الفوضى.
اقترب كريم منها ولمس بطنها بحنان.
ثم قال بابتسامة باردة
ولن يولد فقيرًا أيضًا سارة مدينة لنا بثلاث سنوات كاملة.
في تلك اللحظة
مات داخلي آخر جزءٍ كان يشعر بالذنب تجاهه.
ذلك الذنب الذي جعلني أعتني به، وأدفع ثمن علاجه، وأخاف كل ليلة من أن ينقطع عنه جهاز الأوكسجين.
لم أكن أعتني بزوجٍ مريض
بل كنت أعيش داخل كذبة كاملة تتنفّس تحت سقف بيتي.
تراجعتُ ببطء محاولةً الهرب
لكن كعبي اصطدم بصندوقٍ معدني.
صدر صوتٌ خافت.
صغير
لكنه كان كافيًا.
رفع كريم رأسه فجأة.
هل سمعتِ هذا؟
أغلقت رانيا الحاسوب بسرعة.
أما أنا
فركضت نحو الدرج بأقصى ما أملك.
صعدتُ متعثّرة، وخرجت إلى الغرفة ثم اندفعت نحو الشرفة قبل أن ينفتح الباب السرّي بعنف خلفي.
ظهر كريم في الغرفة.
حيًّا.
غاضبًا.
ويقف بثباتٍ كامل دون أي أثر لمرضٍ أو ضعف.
ثم قال بصوتٍ هادئ أخافني أكثر من الصراخ
سارة يمكنكِ التوقّف عن الاختباء الآن.
كنتُ معلّقة بحافة الشرفة،
وفجأة
انفتح باب الفيلا في الأسفل بقوة.
ودوّى صوت سعاد في أنحاء البيت
مدام سارة! لا تتحركي الشرطة وصلت!
لا أعرف كيف نزلتُ من تلك الشرفة.
كل ما أتذكّره
هو يد سعاد وهي تمسكني من خصري قبل أن أسقط، وبكاء فتاة شابة عند باب الفيلا، وصوت أقدام عناصر الشرطة وهم يصعدون الدرج بسرعة.
أما كريم
فحاول أن
متابعة القراءة