اقتحمتُ شقّةً قديمة في السيدة زينب

لمحة نيوز

اقتحمتُ شقّةً قديمة في السيدة زينب فوجدتُ فتاةً عمياء مربوطةً إلى كرسي.
لم يكن أسوأ ما في الأمر رؤيتها وحيدة
بل سماعها تقول
هل عادت أمّي؟
اسمي سالم.
ولم أكن رجلًا صالحًا تلك الليلة.
كان في جيبي سكين صدئة
وجوعٌ قاسٍ ينهش معدتي منذ يومين.
بعد صلاة العشاء بقليل
كانت الحارة شبه خالية.
ضوء مصباحٍ يتدلّى فوق باب بقالة مغلقة
ورائحة زيتٍ محترق تتسلّل من نافذة بعيدة
وصوت تلاوة خافتة يخرج من مذياعٍ قديم في الطابق العلوي.
رأيتُ باب الشقة مواربًا.
لا ضوء.
لا صوت تلفاز.
لا حركة.
بالنسبة لرجلٍ مثلي
كان ذلك يبدو فرصة.
لكنّ الله ساقني إلى هناك لسببٍ آخر.
دفعتُ الباب ببطء ودخلت.
استقبلتني رائحة رطوبة خانقة
ودخان سجائر قديم
وهواء ثقيل يشبه الخوف.
كانت الأرض مغطاةً بألعاب أطفال مكسورة
وفي الزاوية سجادة صلاة مهترئة
وفوق ثلّاجة قديمة مصحف صغير تراكم عليه الغبار.
وفجأة
سمعتُ صوتًا خافتًا خلفي
أرجوك لا تأخذ بطّانيتي.
تجمّد الدم في عروقي.
رفعتُ ضوء الهاتف نحو مصدر الصوت.
وهناك رأيتها.
طفلة نحيلة للغاية
ترتدي فستانًا باهت اللون
وعيناها مفتوحتان، لكنهما خاليتان من أي تركيز.
كان حبل رفيع ملتفًا حول معصمها الصغير
كأنّ من قيّدها كان يخشى هروبها أكثر من خوفه على جوعها.
لم تكن تبكي.
وذلك ما أخافني أكثر.
الأطفال الذين ما زالوا يملكون أملًا يبكون.
أمّا هي
فبدت وكأنّ البكاء غادرها منذ زمن.
همستُ
ما اسمكِ؟
قالت بصوتٍ ضعيف
رحمة.
شعرتُ بشيء ثقيل يهبط فوق صدري.
وهل أنتِ وحدكِ هنا؟
هزّت رأسها ببطء.
قالت أمّي إنني إن التزمتُ الصمت
فقد أحصل الليلة على سندويشة فول.
جفّ حلقي.
لقد دخلتُ لأسرق
لكنني في تلك اللحظة شعرتُ أنّ اللص الحقيقي لم يكن أنا.
اقتربتُ منها بحذر.
رفعت وجهها نحوي فجأة وسألت
هل أنتِ المرأة الجديدة؟
أيّ امرأة؟
ضمّت البطانية إلى صدرها المرتجف وقالت
التي جاءت أمس
قالت إنّ الناس يدفعون أكثر للطفلة العمياء عند إشارات المسجد.
سقطت السكين من يدي داخل الحقيبة.
ولأول مرة منذ سنوات
شعرتُ بالخجل من نفسي.
سألتها
كم

عمركِ؟
سبع سنوات
لكن أمّي تقول إنّ شكلي يبدو أصغر
وذلك يجعل الناس يشفقون عليّ أكثر.
شعرتُ بالغثيان.
دخلتُ المطبخ بسرعة.
لم أجد سوى رغيفٍ يابس
وعلبة فول باردة
وكوب ماء علاه الغبار.
سخّنتُ الطعام على نارٍ هادئة.
كانت تشمّ الرائحة بصمت
وكأنّها تحفظ الطعام من رائحته وحدها.
وعندما وضعتُ الطبق أمامها
تحسّسته بأصابع مرتجفة
ثم ابتسمت للمرّة الأولى.
ما زال صالحًا
الحمد لله.
وأكلت
وكأنّها لم تتذوّق الطعام منذ أيام.
كنتُ أراقب كل لقمة تدخل فمها
وأتذكّر نفسي طفلًا أنام تحت الجسور
أسرق الخبز
لأنّ أحدًا لم يسألني يومًا
هل أنت جائع يا بني؟
وبعد دقائق
أنهت الطعام كلّه.
ثم قالت فجأة
أنت لستَ شريرًا.
ضحكتُ بسخرية مريرة.
أنتِ لا تعرفين عنّي شيئًا.
هزّت رأسها الصغيرة وقالت
بل أعرف
الأشرار أصواتهم مخيفة.
لم أعرف لماذا
لكنّ عينَيّ امتلأتا بالدموع.
مددتُ يدي لأفكّ الحبل
لكنها ارتجفت فجأة.
لا
إذا عادت فستضربني بالحزام.
مَن؟
خفضت صوتها حتى كاد يختفي
المرأة التي تخبر الناس أنّها أمّي.
وفجأة
سمعنا صوت سيارة تتوقّف أمام المنزل.
ثم صوت باب يُغلق بعنف.
توقّفت رحمة عن التنفّس.
وهمست وهي ترتجف
إنّها هي
أطفأتُ ضوء الهاتف فورًا.
وغرق المكان في ظلامٍ كامل.
وفي الخارج
ارتفع أذان العشاء من المسجد القريب.
أمسكت الطفلة كُمّي بأصابع باردة وهمست
بالله عليك
لا تتركني لها.
ثم بدأ القفل يدور ببطء.
حملتُها بسرعة
وأخذت أبحث بعيني عن أيّ مخرج.
وفجأة
رأيت ورقةً قديمة معلّقة خلف الباب الحديدي الصدئ.
كانت تحمل صورة رحمة.
وأسفل الصورة مباشرة
عبارة كُتبت بحبرٍ أحمر داكن..
ما الذي رآه سالم في الورقة المعلّقة خلف الباب حتى تغيّر وجهه فجأة وهو يحملها بين ذراعيه... الجزء الثاني
تمّ دفع ثمنها كاملًا
التسليم الجمعة بعد العشاء.
تجمّدتُ مكاني.
بقيتُ أحدّق في الورقة المعلّقة خلف الباب الحديديّ الصدئ، بينما كانت أنفاسي تخرج ببطءٍ ثقيل كأنّ الهواء صار أثقل من أن يدخل صدري.
الصورة نفسها.
وجه الطفلة نفسه.
الفستان الباهت نفسه.
لكنّ الكلمات
المكتوبة بالحبر الأحمر
لم تكن إعلانًا عن طفلة مفقودة.
بل شيئًا أكثر ظلامًا.
شيئًا جعل معدتي تنقبض بعنف.
تمّ دفع ثمنها كاملًا.
ثمن.
كانت تتحدّث عنها كبضاعة.
لا كطفلة.
وفي اللحظة نفسها
صدر صوت المفتاح داخل القفل.
هذه المرّة كان أوضح.
أقرب.
وأبطأ.
كأنّ مَن بالخارج لا يستعجل الدخول
لأنّه واثق أنّ ما بالداخل لا يستطيع الهرب.
تراجعتُ خطوةً إلى الخلف وأنا أحمل الطفلة بين ذراعيّ.
كانت أصابعها الصغيرة تتشبّث بقميصي بقوّة مؤلمة.
ثم همست قرب أذني بصوتٍ مرتجف
أرجوك لا تدعها تأخذني.
شعرتُ بشيء ينفجر داخل صدري.
غضب.
خوف.
وذنب قديم لم أفهمه.
لكن لم يكن هناك وقت للتفكير.
صدر ارتطامٌ قويّ بالباب.
ثم صوت امرأة تصرخ بعنف
افتحي يا بنت الكلب أعرف أنّك مستيقظة!
ارتجفت الطفلة بالكامل.
دفنت وجهها في صدري فورًا.
وشعرتُ بأنفاسها الساخنة المرتبكة تخترق جلدي.
نظرتُ حولي بسرعة.
الشقّة ضيّقة.
النوافذ محكمة بقضبان حديديّة قديمة.
ولا يوجد مخرج سوى نافذة صغيرة في المطبخ.
اندفعتُ نحوها بسرعة.
وخلفي
بدأ الباب يهتزّ بعنف.
كانت المرأة تدفعه بجنون.
افتحي قبل أن أخلع الباب فوق رأسك!
وصلتُ إلى المطبخ.
دفعتُ النافذة بقوّة.
صرخت المفاصل الصدئة بصوتٍ حادّ.
وفي الخارج
كان المطر قد بدأ يهطل بغزارة.
زقاق ضيّق غارق في الظلام.
رائحة صرفٍ قديم.
وقطط تبحث في أكوام القمامة.
لكنّه كان أفضل من البقاء هنا.
رفعتُ الطفلة أوّلًا عبر النافذة.
ثم قفزتُ خلفها بسرعة.
وفي اللحظة نفسها
صدر صوت تحطّم الباب الرئيسيّ.
تجمّدت الطفلة بين ذراعيّ.
ودوّى صوت المرأة داخل الشقّة
رحمة!
ثم صمتت لحظة.
وأردفت بصوتٍ أخفض وأكثر رعبًا
أعرف أنّ هناك أحدًا هنا.
حبستُ أنفاسي.
المطر كان يهطل فوق رؤوسنا بقوّة، يضرب الأرض القديمة كطبول حرب.
أخذتُ الطفلة وبدأتُ أسير وسط الزقاق بسرعة.
كانت قدماي تغوصان في الماء والطين، بينما تعلّقت الصغيرة بعنقي بصمت.
بعد خطوات قليلة
همست
ستجدنا.
لن تجدنا.
دائمًا تجدني.
كان في صوتها يقين مرعب.
يقين طفلة تعلّمت أنّ النجاة لا تدوم.

خرجتُ من الزقاق أخيرًا إلى شارع أوسع قليلًا.
المدينة بدت باردة على غير عادتها.
أضواء المحالّ الخافتة تنعكس فوق الماء.
وباعة الشاي يقفون تحت المظلّات المهترئة.
ولا أحد ينتبه لرجل يحمل طفلة صغيرة في هذا الوقت من الليل.
فهذه المدينة
اعتادت رؤية الألم.
واعتادت تجاهله أيضًا.
توقّفتُ تحت شرفة قديمة أحتمي بها من المطر.
أنزلتُ الطفلة برفق.
كانت ترتجف من البرد.
خلعتُ سترتي القديمة ولففتها حولها.
رفعت رأسها نحوي فجأة وسألت
لماذا تساعدني؟
فتحتُ فمي
لكنني لم أجد جوابًا.
لأنني أنا نفسي لم أفهم بعد.
ربّما لأنني رأيتُ الجوع في عينيها.
وربّما لأنني حين قرأت تلك الورقة
شعرتُ أنّني أنظر إلى نفسي القديمة.
طفل يُباع لأنّه لا يساوي شيئًا.
قلت أخيرًا بصوتٍ خافت
لأنّ الله لن يغفر لي إن تركتُكِ هناك.
صمتت قليلًا.
ثم قالت
كانت أمّي الحقيقيّة تقول الشيء نفسه.
تجمّدتُ مكاني.
انخفضتُ إلى مستواها ببطء.
تتذكّرين أمّك الحقيقيّة؟
هزّت رأسها الصغيرة.
قليلًا.
ماذا تتذكّرين؟
أغمضت عينيها كأنّها تبحث داخل الظلام عن صورة قديمة.
ثم همست
رائحتها كانت تشبه الصابون.
شعرتُ بانقباضٍ مؤلم في صدري.
الأطفال عادةً يتذكّرون الوجوه.
أمّا هي
فلم يبقَ لها سوى الرائحة.
أردفت
وكانت تقرأ لي القرآن قبل النوم.
ابتلعتُ ريقي بصعوبة.
ثم سألت
وهل تتذكّرين كيف وصلتِ إلى تلك المرأة؟
ارتبكت.
بدأت أصابعها الصغيرة تتحرّك بتوتّر.
لا أعرف
ثم همست
أتذكّر رجلًا حملني.
أيّ رجل؟
كانت رائحته سجائر.
ثم وضعت يدها فوق عينيها.
وبعدها أصبح كل شيء مظلمًا.
شعرتُ بقشعريرة باردة تسري في ظهري.
اختُطفت.
هذه الطفلة اختُطفت فعلًا.
وفجأة
دوّى صوت صراخ بعيد في آخر الشارع.
التفتُّ بسرعة.
وفي نهاية الطريق الضيّق
كانت المرأة تظهر من بين المطر.
ترتدي عباءة سوداء.
تمشي ببطء.
وتبحث بعينيها في الوجوه.
حتى من بعيد
استطعتُ رؤية القسوة في ملامحها.
وحين وقعت عيناها علينا
ابتسمت.
ابتسامة باردة جعلت الدم يتجمّد في عروقي.
ثم بدأت تمشي نحونا.
اختبأت الطفلة خلف ظهري فورًا.
وشعرتُ
بيدها تتمسّك بقميصي كأنّها تغرق.
المرأة اقتربت أكثر.
حتى صارت على بعد خطوات.
كانت رائحة السجائر الرخيصة تفوح منها.
وعيناها غارقتين في السواد.
نظرت إليّ طويلًا.
ثم قالت بهدوء مرعب
أحسنت.
وجدتَها أسرع ممّا توقعت.
قبضتُ على يد الطفلة بقوّة.
قلت بحدّة
ابتعدي عنها.
ضحكت المرأة ضحكة
تم نسخ الرابط