ابنتي تبلغ من العمر سبعةً وثلاثين عامًا…
ثم أضافت وهي ترتجف:
“وفجأة أمسك ذراعي بعنف.”
وضعتُ يدي فوق فمي فورًا.
أما هي…
فقالت بصوت متكسر:
“أقسم لكِ يا أمي… في تلك اللحظة رأيت أبي أمامي.”
شعرتُ أن العالم يدور حولي.
ثم أكملت:
“حاولت الابتعاد… لكنه شدّني أكثر.”
وكان صوتها ينهار مع كل كلمة.
“وقال لي:
بعد الزواج ستتعلمين كيف تكون الزوجة الحقيقية.”
شعرتُ بالغثيان.
أما زهراء…
فقالت وهي تبكي:
“ثم حاول أن يلمسني بالقوة.”
صرختُ دون وعي:
“يا الله…”
وانهرتُ بالبكاء فورًا.
لكنها أكملت بسرعة:
“لم يحدث شيء كامل… لأن أخته عادت فجأة.”
ثم صمتت.
وقالت جملة كسرتني بالكامل:
“لكنني رأيت مستقبلي كله في تلك اللحظة.”
لم أعد قادرة على التنفس.
كل شيء بدأ ينهار داخلي.
زهراء كانت تنظر إليّ بعينين ممتلئتين بسنوات من الخوف…
ثم قالت:
“تعلمين ما الذي قتلني أكثر؟”
هززت رأسي بصعوبة.
فقالت:
“أنني لم أُصدم.”
“بل شعرت أن ما يحدث طبيعي.”
ثم أضافت:
“لأنني كبرت وأنا أرى المرأة تتحمل.”
“وترتعب.”
“وتصمت.”
“ثم تكمل حياتها كأن شيئًا لم يحدث.”
شعرتُ أن قلبي يتمزق حرفيًا.
أنا التي كنت أعتقد أنني أحمي أولادي بالصبر…
كنت أعلّم ابنتي أن الألم جزء طبيعي من الحب.
ثم قالت:
“بعدها بأيام فسخت الخطوبة.”
“لكني لم أستطع أن أخبر أحدًا بالحقيقة.”
سألتها وسط دموعي:
“لماذا يا ابنتي؟!”
فابتسمت ابتسامة موجوعة وقالت:
“لأنني كنت أعرف ماذا سيقول الناس.”
ثم بدأت تعدّد بصوت ساخر متعب:
“أكيد فهمتِه غلط.”
“الرجل يغار لأنه يحب.”
“كل الرجال يخطئون.”
“لا تخرّبي بيتكِ قبل أن يبدأ.”
“تحمّلي قليلًا.”
ثم نظرت إليّ مباشرة وقالت:
“وكنت خائفة أن تطلبي مني الصبر… مثلك.”
شعرتُ وكأن أحدهم اقتلع روحي من داخلي.
لأنها كانت محقة.
ربما لو أخبرتني وقتها…
لكنت فعلًا طلبت منها أن تتحمل.
ليس لأنني لا أحبها…
بل لأنني أنا نفسي كنت أعيش بعقلية أن المرأة يجب أن تصبر مهما حدث.
وفجأة…
بدأت أتذكر عشرات المرات التي دافعتُ فيها عن والدها أمام أطفالي.
كل مرة قلت:
“أبوكم متعب فقط.”
“الرجل يمر بضغوط.”
“الأب يبقى سندًا مهما حدث.”
يا الله…
كم من الأكاذيب كنا نغلف بها خوفنا؟
ثم قالت زهراء:
“بعد فسخ الخطوبة… بدأت أعاني
رفعت رأسي بصدمة.
“ماذا؟!”
هزّت رأسها بصمت.
وقالت:
“كنت أستيقظ مذعورة في منتصف الليل.”
“وأشعر أنني لا أستطيع التنفس.”
“وأخاف من فكرة الزواج كلها.”
ثم أضافت:
“حتى الأطفال… بدأت أراهم قيدًا قد يربطني برجل مؤذٍ للأبد.”
شعرتُ بأنفاسي تختنق.
لأنني لأول مرة…
فهمت السبب الحقيقي خلف رفضها للأمومة.
هي لا تكره الأطفال.
بل تخاف أن تنجب طفلًا يعيش الرعب نفسه الذي عاشته هي.
ثم قالت:
“ذهبتُ إلى طبيبة نفسية بعدها بسنة.”
تجمدتُ.
أنا أمها…
ولم أكن أعرف شيئًا.
قالت:
“وفي إحدى الجلسات سألتني الطبيبة:
ما أول صورة تخطر ببالكِ عندما تفكرين بالزواج؟”
وساد الصمت للحظات.
ثم نظرت إليّ مباشرة وأضافت:
“رأيتكِ.”
لم أتمالك نفسي.
انهرتُ باكية أمامها.
أما هي…
فاقتربت مني بسرعة واحتضنتني.
وقالت وهي تبكي:
“أنا لا أكرهكِ يا أمي.”
لكنني كنت أكره نفسي في تلك اللحظة.
لأنني فجأة رأيت الحقيقة كاملة.
البيت الذي ظننته متماسكًا…
كان مليئًا بالخوف.
والصبر الذي ظننته تضحية نبيلة…
جعل ابنتي تكبر وهي تعتقد أن الحب يعني
وبقينا نبكي طويلًا تلك الليلة.
حتى قالت زهراء فجأة:
“تعلمين ما أكثر شيء أخافه؟”
سألتها بصوت مبحوح:
“ماذا؟”
فقالت:
“أن أقابل رجلًا طيبًا فعلًا… ثم أدمّر العلاقة بسبب خوفي.”
شعرتُ بالحزن يقطع قلبي.
لأن آثار الخوف لا تنتهي بسهولة.
ثم قالت:
“أحيانًا أشعر أنني كسرت نفسي قبل أن يكسرني أي رجل.”
صمتُّ طويلًا.
ثم سألتها:
“وهل ما زلتِ تحبينه؟”
تفاجأت من السؤال.
أما هي…
فابتسمت بحزن وقالت:
“لا.”
“لكنني ما زلت أكره الفتاة التي كنتها معه.”
ثم أضافت:
“الفتاة التي كانت تخاف أن تقول لا.”
شعرتُ بأن شيئًا ينهار داخلي مجددًا.
لأنني أنا أيضًا…
كنت تلك الفتاة يومًا ما.
وفجأة تذكرتُ أول مرة أهانني فيها زوجي أمام الناس.
كنت أستطيع الرحيل وقتها.
لكنني بقيت.
ثم بقيت مرة أخرى…
وأخرى…
حتى أصبحتُ سجينة الخوف نفسه.
وفي تلك اللحظة…
أدركت أن ابنتي لم تكن ترفض الزواج فقط.
بل كانت تحاول إنقاذ نفسها من أن تصبح نسخة مني.
وفي صباح اليوم التالي…
اتخذت قرارًا لم أتخيل يومًا أنني سأفعله.
ذهبتُ لأول مرة في حياتي إلى
أنا…
المرأة التي قضت عمرها تؤمن أن الصبر وحده يكفي.
وعندما سألتني الطبيبة في نهاية الجلسة:
“ما أكثر شيء يؤلمكِ اليوم؟”
بكيت طويلًا.
ثم قلت جملة خرجت من أعماقي لأول مرة:
“أخشى أن ابنتي تعلّمت الخوف من الحب… مني أنا.”