بعد أسبوع كامل من حكة عين ابنتي
معرفة الحقيقة.
لحظة معرفة من الذي تسبب فيما حدث لابنتي.
لحظة سماع الإجابة التي ستضع حدًا لكل هذا الرعب.
نظرت إلى ليان النائمة بجواري.
كانت تبدو أكثر هدوءًا من الأيام الماضية، لكن آثار الالتهاب ما زالت واضحة حول عينها، وما زالت الرموش متلاصقة ببعضها بسبب الإفرازات التي كانت تتجمع باستمرار رغم العلاج.
أيقظت زوجي.
وأخبرته أن الطبيب اتصل.
فارتدى ملابسه بسرعة دون أن ينطق بكلمة.
ومنذ الشجار الأخير بيننا لم تعد الأحاديث سهلة كما كانت.
كان كل منا يعيش داخل أفكاره الخاصة.
أنا مقتنعة بأن هناك من تسبب فيما حدث.
وهو مقتنع بأنني اندفعت خلف الشكوك أكثر مما ينبغي.
وصلنا إلى العيادة بعد أقل من ساعة.
استقبلنا الطبيب هذه المرة بطريقة مختلفة.
لم يطلب منا الانتظار.
بل اصطحبنا مباشرة إلى مكتبه.
وحين أغلق الباب خلفه شعرت بأن معدتي انقبضت من التوتر.
كان أمامه ملف سميك.
وبجانبه عدة تقارير مطبوعة.
وصور مكبرة التُقطت أثناء الفحص.
جلس خلف مكتبه.
ثم فتح الملف ببطء.
وقال
ظهرت نتائج الفحوص كلها.
حبست أنفاسي.
وسألته مباشرة
ماذا وجدتم؟
قلب عدة صفحات.
ثم قال
هناك التهاب ملتحمة بكتيري حاد.
شعرت بأن الكلمات تمر بجواري دون أن أفهمها بالكامل.
فأكمل
كما يوجد التهاب شديد في حواف الجفون.
ثم أشار إلى صورة أخرى.
وهناك أيضًا التهاب واضح في بصيلات الرموش.
ازدادت حيرتي.
لكن الطبيب لم يتوقف.
بل أخرج تقريرًا آخر وقال
كما أظهر الفحص المجهري وجود زيادة كبيرة في عثّ الرموش.
نظرت إليه بعدم فهم.
فقال
عثّ الرموش كائن مجهري صغير جدًا يعيش بصورة طبيعية على جلد معظم البشر.
لكن في بعض الحالات، ومع وجود التهابات أو تلوث شديد، تتضاعف أعداده بصورة غير طبيعية وتسبب حكة شديدة وتهيجًا مستمرًا للجفن.
ثم سحب ورقة أخيرة من الملف.
وقال
أما المزرعة البكتيرية فقد أظهرت نموًا كثيفًا لبكتيريا المكورات العنقودية الذهبية.
ساد الصمت.
كنت أحاول استيعاب كل ما أسمعه.
لكن السؤال الحقيقي ظل عالقًا في رأسي.
من أين جاءت كل تلك البكتيريا؟
كيف
وكيف بدأ الأمر أصلًا؟
كأن الطبيب قرأ أفكاري.
فقال
هناك شيء آخر.
شعرت بأن قلبي توقف.
مد يده نحو أنبوب صغير كان موضوعًا على المكتب.
الأنبوب نفسه الذي وضع داخله الجسم الغريب الذي أخرجه من عين ليان.
وقال
فحصنا الجسم الذي كان عالقًا بين الرموش.
اقتربت من المكتب دون أن أشعر.
وسألته
وما هو؟
نظر إلى التقرير.
ثم قال
ليس مادة سامة.
انتظرت.
فأكمل
وليس مادة كيميائية.
ازداد توتري.
وليس جزءًا من حشرة.
تبادلت النظرات مع زوجي.
ثم سألت بسرعة
إذن ما هو؟
قال الطبيب
هو جسم صغير ملوث.
ظل ملاصقًا للجفن فترة طويلة.
وحمل كمية كبيرة من البكتيريا والملوثات.
شعرت بأن الأرض تهتز تحت قدمي.
كل التصورات التي بنيتها خلال الأيام الماضية بدأت تتداعى.
لكنني لم أستسلم.
سألته
هل يمكن أن يكون أحد قد وضعه عمدًا؟
نظر إليّ الطبيب بهدوء.
ثم قال
لا أستطيع الإجابة عن هذا السؤال.
لكن النتائج لا تشير إلى تسمم.
ولا تشير إلى مادة كاوية.
ولا تشير إلى أي مادة غريبة استُخدمت لإيذاء العين.
ثم أضاف
كل ما أراه أمامي هو عدوى ناتجة عن انتقال ملوثات إلى الجفن والرموش.
سكت لحظة.
ثم وجه إليّ سؤالًا لم أكن مستعدة له.
قال
هل لامست الطفلة مؤخرًا أي جسم متسخ أو أداة قديمة بالقرب من العين؟
نظرت إليه.
ثم إلى زوجي.
ثم عدت أنظر إليه مرة أخرى.
ولم أجد إجابة.
هززت رأسي بالنفي.
فقال
فكروا جيدًا.
أحيانًا تكون التفاصيل الصغيرة هي المفتاح.
غادرنا العيادة.
لكن هذه المرة كنت أشعر بحيرة أكبر من أي وقت مضى.
لم يعد لدي متهم.
ولم يعد لدي تفسير.
كل ما لدي مجموعة من الأسئلة.
وفي المساء اجتمع أفراد العائلة في منزل والدتي.
كانت الأجواء مشحونة بصورة مخيفة.
الجميع يعلم بما حدث.
والجميع يعلم بالخلاف الذي وقع بيني وبين زوجة شقيق زوجي.
والجميع يعلم أن العلاقات أصبحت على حافة الانهيار.
جلست في صمت.
بينما كان التوتر يملأ المكان.
حتى ليان كانت تجلس هادئة على غير عادتها.
وفجأة...
سمعت صوت ابني الأكبر.
كان جالسًا في زاوية الصالة.
ويراقب
رفع رأسه فجأة.
ثم قال بتردد
أمي...
التفتُّ نحوه.
نعم؟
ظل مترددًا للحظات.
ثم قال
هل يمكن أن يكون ما حدث بسبب الشيء الذي كانت ليان تلعب به في الشرفة؟
شعرت بشيء غريب يعبر جسدي.
واعتدل الجميع في أماكنهم.
سألته
أي شيء؟
قال
بعد أن غضب أبي وغادر المنزل...
رأيت ليان واقفة أمام المرآة الصغيرة.
صمت لحظة.
ثم أكمل
وكانت تمسك فرشاة بيدها.
وتمررها على رموشها.
وتضحك.
تجمد الدم في عروقي.
نظرت إلى زوجي.
ثم عدت إلى ابني.
وقلت
أي فرشاة؟
فكر قليلًا.
ثم قال
الفرشاة كان لونه غامق.
وكان موضوعًا فوق الغسالة.
في تلك اللحظة...
شعرت وكأن بابًا مغلقًا منذ أيام بدأ ينفتح ببطء.
بدأت صور كثيرة تعود إلى ذاكرتي.
صورة زوجي يوم الشجار.
صورة خروجه غاضبًا من المنزل.
صورة الشرفة.
صورة الغسالة.
وصورة الفرشاة القديمة.
الفرشاة التي كان يستخدمها لتنظيف حذائه المتسخ.
الفرشاة التي تركها فوق الغسالة ثم غادر.
الفرشاة نفسها التي لم أهتم بها وقتها.
والتي مررت بجوارها مرات كثيرة دون أن ألقي لها بالًا.
وفجأة...
تذكرت ليان.
وهي تقف أمام المرآة الصغيرة.
وتحاول تقليدي.
وتضحك.
وتمسك تلك الفرشاة.
وتمررها فوق رموشها وجفنها الصغير.
مرة.
ومرتين.
وثلاث مرات.
وضعت يدي فوق فمي.
بينما بدأت الحقيقة تتشكل أمامي ببطء.
الحقيقة التي لم تخطر لي على بال.
الحقيقة التي لم يكن فيها حسد.
ولا مؤامرة.
ولا نية لإيذاء أحد.
بل مجرد لحظة إهمال صغيرة تحولت إلى كارثة كاملة.
وفي تلك اللحظة فقط...
أدركت أنني ربما كنت أبحث عن مذنب في المكان الخطأ طوال الوقت.
في صباح اليوم التالي عدت إلى العيادة وحدي.
كنت أحمل الفرشاة القديمة داخل كيس شفاف.
الفرشاة نفسها التي كان زوجي ينظف بها حذاءه.
الفرشاة نفسها التي لعبت بها ليان أمام المرآة.
وضعتها أمام الطبيب.
نظر إليها لثوانٍ.
ثم طلب إرسالها للفحص.
وبعد يومين فقط جاءت النتيجة.
كانت الفرشاة مغطاة بكميات كبيرة من البكتيريا والملوثات.
البكتيريا نفسها التي ظهرت في مزرعة عين ليان.
وفي
انتهت الشكوك.
وانتهت الاتهامات.
وانهارت القصة التي صنعتها بنفسي داخل رأسي.
جلست أبكي لساعات.
ليس خوفًا على ليان.
فهي بدأت
تتحسن بالفعل.
وليس بسبب المرض.
بل بسبب ما فعلته أنا.
تذكرت زوجة شقيق زوجي.
تذكرت نظرتها وهي تقسم أنها لم تؤذِ ابنتي.
تذكرت دموعها.
وتذكرت كيف وقفت أمام العائلة كلها أدافع عن اتهام لا أملك عليه دليلًا واحدًا.
وفي مساء ذلك اليوم طلبت من الجميع الحضور.
جاءت العائلة كلها.
وجاء زوجي.
وجاءت هي أيضًا.
كانت تجلس بصمت.
وعيناها لا تنظران نحوي.
وقفت أمام الجميع.
وشعرت أن الكلمات أثقل من الجبال.
ثم قلت
اليوم عرفت الحقيقة.
ساد الصمت.
وأكملت
ليان لم يؤذها أحد.
ولم يضع أحد شيئًا في عينها.
ولم تكن هناك مؤامرة.
كل ما حدث كان عدوى انتقلت من فرشاة ملوثة.
ارتفعت الهمسات في المكان.
لكنني لم أتوقف.
التفتُّ نحو زوجة شقيق زوجي.
ثم قلت بصوت مرتجف
وأمام الجميع...
أقول لك إنني ظلمتك.
ظلمتك حين حولت كلمة عابرة إلى تهمة.
وظلمتك حين صدقت ظنوني أكثر مما صدقت الحقيقة.
وظلمتك حين بحثت عن مذنب قبل أن أبحث عن دليل.
امتلأت عيناها بالدموع.
أما أنا فلم أستطع منع دموعي.
وأكملت
سامحيني.
فليس المرض هو أكثر ما آذى ابنتي.
بل الخوف الذي جعلني أؤذي الأبرياء.
اقتربت مني ببطء.
وانفجرت أنا بالبكاء.
لأول مرة منذ أسابيع.
بكاء راحة.
وبكاء ندم.
وبكاء أم أدركت متأخرة أن الخوف قد يكون أخطر من المرض نفسه.
وبعد أسابيع قليلة تعافت ليان تمامًا.
اختفت الالتهابات.
وعادت ضحكتها تملأ البيت.
لكن شيئًا واحدًا لم يختفِ من ذاكرتي أبدًا.
ذلك الدرس القاسي.
الدرس الذي تعلمته على حساب نفسي.
فأحيانًا...
لا يصنع الخوف الحقيقة.
بل يصنع قصة كاملة حولها.
وأحيانًا لا يكون أخطر ما في المرض هو المرض نفسه.
بل الاتهامات التي يولدها الذعر داخل عقولنا.
فحين نبحث عن مذنب قبل أن نبحث عن دليل...
قد نكسر قلوبًا بريئة.
ونخسر أشخاصًا لم يرتكبوا ذنبًا سوى أنهم كانوا أقرب من غيرهم إلى دائرة الشك.
ومنذ ذلك اليوم
ليس كل ألم وراءه عدو.
وليس كل نظرة حسد جريمة.
وليس كل ما نتخيله في لحظات الخوف حقيقة.
فالحقيقة لا تُبنى على الظنون...
بل على الدليل.
أما الظنون...
فقد تهدم عائلة كاملة قبل أن تكتشف أنها كانت تبحث في الاتجاه الخطأ منذ البداية.