دعوني أبقَ بضعة أيام فقط

لمحة نيوز

في أكثر من مكان.
وأصبح اسمه مرتبطًا بالمؤامرة التي حاول من خلالها الاستيلاء على أرض ليست له.
أما مزرعة آل سالم فقد خرجت من الأزمة أقوى مما كانت.
فبعد انتشار القصة وقف أهل القرية إلى جانب الحاج سالم.
وجاء بعضهم للمساعدة في إصلاح الأسوار.
وتبرع آخرون بالأعلاف.
وعرض آخرون خدماتهم دون مقابل.
وللمرة الأولى منذ سنوات شعر الحاج سالم أن المزرعة ليست وحدها.
وأن الخير الذي زرعه طوال عمره عاد إليه يوم احتاجه.
ومرت الشهور.
وعادت الحياة إلى طبيعتها.
بل أصبحت أفضل مما كانت.
ازدادت أعداد المواشي.
وتحسنت الحقول.
وامتلأت الساحات بالحركة من جديد.
أما يوسف فقد أصبح جزءًا من المكان.
جزءًا لا يمكن تخيل المزرعة بدونه.
فكان أول من يستيقظ قبل الفجر.
وآخر من يغادر الحظائر بعد انتهاء العمل.
وكان يتعامل مع الأرض وكأنها أرضه.
ومع المواشي وكأنها ملك أبيه.
ومع الحاج سالم وأم خالد وكأنهما من أهله.
وفي إحدى الليالي جلس الجميع
بعد العشاء في فناء المنزل.

وكان النسيم البارد يهب من جهة الحقول.
والنجوم تملأ السماء.
وفجأة وضع الحاج سالم ملفًا أمام يوسف.
نظر إليه باستغراب.
وقال
ما هذا يا عم سالم؟
ابتسم الرجل.
وقال
افتحه.
فتح يوسف الملف.
ثم اتسعت عيناه بدهشة.
وتسارع نبض قلبه.
ففي الداخل كانت أوراق شراكة رسمية.
رفع رأسه بسرعة.
ونظر إلى الحاج سالم غير مصدق.
وقال
ما معنى هذا؟
أجاب الرجل بهدوء
معناه أن هذه المزرعة لم تعد مزرعتي وحدي.
هز يوسف رأسه بعنف.
وقال
لا... هذا مستحيل.
لكن الحاج سالم قاطعه.
وقال
عندما جئت إلى هنا كنت تبحث عن مكان تنام فيه بضعة أيام.
ثم ابتسم.
وأضاف
أما اليوم فأنت واحد ممن حفظوا هذه الأرض.
كانت عينا أم خالد تلمعان بالدموع.
وقالت
يا بني... لقد أعاد الله الحياة إلى هذا المكان على يديك.
شعر يوسف بأن الكلمات تخنقه.
فمنذ سنوات طويلة لم يمنحه أحد ثقة كهذه.
ولم ينظر إليه أحد بهذه المحبة.
ولم
يعرف ماذا يقول.

فاكتفى بخفض رأسه.
بينما امتلأت عيناه بالدموع.
لكن مفاجأة أخرى كانت في طريقها إليه.
فبعد أسابيع قليلة وصلت إلى المزرعة سيارة صغيرة.
ونزلت منها شابة في أوائل العشرينيات.
وقفت عند البوابة.
ونظرت حولها بتردد.
ثم سألت عن يوسف.
خرج مسرعًا.
وما إن وقعت عيناه عليها حتى تجمد في مكانه.
كانت أخته.
الأخت التي لم يرها منذ سنوات.
الأخت التي غادرته وهي تحمل في قلبها غضبًا أكبر من عمرها.
بقي كلاهما صامتًا للحظات طويلة.
ثم اقتربت منه.
وقال بصوت مرتجف
السلام عليكم يا يوسف.
شعر بأن الكلمات اختنقت في حلقه.
ورد بصعوبة
وعليكم السلام.
كانت الدموع تملأ عينيها.
وقالت
بحثت عنك طويلًا.
سكتت لحظة.
ثم أضافت
وأظن أنني تأخرت كثيرًا.
لم يفهم ما تقصده.
لكنها أكملت
كنت غاضبة.
وكنت أبحث عن شخص أحمله مسؤولية كل شيء.
فحملتك أنت.
وانهمرت دموعها.
وقالت
سامحني.
في تلك اللحظة شعر يوسف أن سنوات
طويلة من الألم بدأت تتلاشى.

اقترب منها.
ثم احتضنها بقوة.
كما لو أنه يستعيد جزءًا ضائعًا من حياته.
وكانت أم خالد تراقب المشهد من بعيد وتمسح دموعها بصمت.
أما الحاج سالم فظل يتأمل المشهد لحظات طويلة، ثم رفع يديه إلى السماء وقال بصوت اختلطت فيه الدموع بالامتنان
الحمد لله الذي يعوض عباده بعد الصبر.
ثم مسح وجهه بكفيه، وهو يشعر أن الله جمع أمام عينيه ما تفرق لسنوات طويلة، وأعاد إلى ذلك الفتى بعض ما سلبته منه الحياة.
وفي تلك الليلة جلس الجميع حول مائدة واحدة.
وتعالت الضحكات في البيت.
وشعر يوسف للمرة الأولى منذ وفاة أبيه أن قلبه عاد يعرف معنى الطمأنينة.
لقد جاء إلى المزرعة باحثًا عن مأوى.
فوجد أسرة.
وجاء هاربًا من ماضٍ يطارده.
فوجد من يساعده على التصالح معه.
وجاء وهو يظن أنه خسر نفسه إلى الأبد.
فاكتشف أن الله كان يدخر له بداية جديدة في مكان لم يكن يتوقعه.
ولم يحصل على عمل فقط.
ولم يجد سقفًا ينام تحته فقط.
بل
وجد أبًا بعد فقدان أبيه.

ووجد أمًا تحتضنه بعد سنوات من الوحدة.
واستعاد أخته التي ظن أنه خسرها إلى الأبد.
واستعاد نفسه قبل كل شيء.
أما مزرعة آل سالم...
فلم تنجُ لأنها كانت الأغنى.
ولم تبقَ لأنها الأقوى.
بل بقيت لأن أناسًا مخلصين تمسكوا بها في الوقت الذي كان الآخرون يحاولون التخلي عنها.
ولأن الخير مهما تأخر...
فإنه يعود دائمًا إلى أصحابه.
تمت.

تم نسخ الرابط