أبي أنهى عشرين سنة من الزواج برسالة واتساب واحدة
المحتويات
الشاشة بعشرات الرسائل في كل ثانية، لكن أمي لم تنظر إليها حتى.
وقالت
بعت ذهبي من أجله، وكذبت من أجله، وخدمت والدته من أجله، وربيت ابنتيه، وأخفيت أخطاءه عن الناس سنوات طويلة، وتحملت ما لا تتحمله امرأة واحدة، لكنني فهمت الليلة شيئًا واحدًا.
ثم رفعت عينيها نحو الكاميرا مباشرة.
وقالت
المرأة لا تصبح عبئًا على أحد مع مرور الزمن... لكن الرجل الضعيف هو الذي يصغر أمام نفسه وأمام مسؤولياته.
انفجرت أختي بالبكاء وشعرت أنا أيضًا بالدموع تنساب فوق وجهي دون أن أتمكن من منعها.
ثم التفتت أمي نحوي وقالت
أوقفي البث.
ترددت للحظة.
وقلت
لكن يا أمي...
فقاطعتني بحزم لم أعهده فيها من قبل
يكفي ما عرفه الناس. وما بقي من الحقيقة مكانه القضاء.
أغلقت البث وفجأة غرق المطبخ كله في صمت ثقيل وعميق حتى إنني كنت أسمع أنفاس الجميع بوضوح.
ثم دوى جرس الباب.
مرة ثم مرة أخرى.
أمسكت أختي بيدي بقوة ونظرت إلي بخوف.
اقتربت من الباب ونظرت من العين السحرية.
كان أبي واقفًا في الخارج يرتدي قميصًا أزرق فاتحًا وشعره مبعثر ووجهه مغطى بالعرق.
وخلفه كانت تقف المرأة الأخرى. لم تكن تبتسم هذه المرة.
ولم تكن تحمل ذلك الغرور الذي ظهرت به في المقاطع السابقة.
بل كان الخوف ظاهرًا على وجهها بصورة لا يمكن إخفاؤها.
ضرب أبي الباب بعنف وهو يصيح
افتحي الباب!
مسحت أمي دموعها بطرف حجابها ثم اتجهت نحوه.
فأمسكت معصمها بسرعة وقلت
لا تفتحي.
فنظرت إلي ولأول مرة في حياتي لم أرَ امرأة تحتاج إلى من يحميها أو يدافع عنها.
بل رأيت امرأة استعادت نفسها بعد سنوات طويلة من الصمت والتنازل.
ثم فتحت الباب ودخل أبي فورًا.
وما إن تجاوز العتبة حتى صاح بغضب
كيف تجرؤون على فعل هذا؟
لم يكن ينظر إلى المرأة التي كانت معه.
ولم يكن غاضبًا من نفسه. بل كان ينظر إلي أنا.
وقال
تنشرون أسرار العائلة أمام الناس؟ هل فقدتم عقولكم؟
وقفت أمي
وقالت بهدوء بارد
اخفض صوتك.
نظر إليها باستغراب واضح.
فهو لم يعتد أن يسمع منها هذه النبرة.
وقال بحدة
لا تتدخلي.
ابتسمت لكنها لم تكن ابتسامة سعادة.
بل ابتسامة امرأة اكتشفت أخيرًا أن الشيء الذي أخافها طوال سنوات لم يكن بالقوة التي كانت تتخيلها.
وقالت
ابتعدت عن حياتي عشرين سنة كاملة. أما الآن فلن أبتعد خطوة واحدة.
تقدمت المرأة الأخرى محاولة التخفيف من التوتر.
وقالت
اسمعي... الجميع منفعِل الآن...
فالتفتت إليها أمي مباشرة.
وقالت ببرود
لا تتحدثي معي وكأن بيننا معرفة أو مودة.
صمتت المرأة فورًا.
ونظرت إليها أمي من رأسها حتى قدميها.
ليس بغيرة بل باحتقار وقالت
كنتِ تسخرين من شكلي بينما تعيشين من أموال اقتُطعت من قوت أسرتي.
ارتبكت المرأة وقالت بسرعة
لم أكن أعرف كل هذه التفاصيل.
فضحكت أمي ضحكة قصيرة خالية من أي فرح.
ثم قالت
لكنّك كنتِ تعرفين ما يكفي لتسخري.
وفي تلك اللحظة أمسك أبي بذراع أمي بعصبية. وقال
ذلك البث انتشر في كل مكان. أقاربي يتصلون بي. والناس يتصلون بي. احذفيه فورًا.
تقدمت نحوه وقلت
ارفع يدك عنها.
فاستدار نحوي غاضبًا.
وقال
هل ظننتِ نفسك أكبر من أبيك بعد دخول الجامعة؟
نظرت إليه مباشرة وقلت
لا. لكنك أصبحت أول درس تعلمناه عن الرجل الذي لا يجب أن نرتبط بمثله.
ارتفعت يده فجأة وفي اللحظة نفسها أدركت أنه ينوي ضربي.
لكن أمي كانت أسرع.
أمسكت معصمه قبل أن تصل يده إلى وجهي.
وتجمد كل شيء داخل الغرفة بقيت ممسكة بمعصمه في الهواء.
ثم قالت بصوت منخفض
جرب.
اتسعت عيناه بدهشة وسحب يده فورًا.
اقتربت المرأة الأخرى منه وقالت بتوتر
لنغادر من هنا.
لكن أمي التفتت إليها وقالت
القصة أصبحت قبيحة منذ اليوم الذي رضيتِ فيه أن تبني سعادتك على أنقاض بيت غيرك.
احمر وجه أبي من الغضب.
ثم أشار إلى الأوراق الموجودة بيد أمي وقال
تظنين أنك ستفعلين كل هذا ثم تحتفظين بالشقة
رفعت أمي مسودة الاتفاق.
وقالت
هذه الشقة مسجلة بيني وبينك. وغدًا سيشرح لك المحامي كيف ينظر القانون إلى رجل استعمل أموال أسرته ليحجز شقة لامرأة أخرى ثم يأتي ليطالب بحقوق إضافية.
تجمد مكانه وقال
محامٍ؟
أجابت
نعم.
ضحك بسخرية.
وقال
ومن أين لكِ محامٍ؟
نظرت أمي إلي ثم إلى أختي وتبادلنا جميعًا نظرة قصيرة.
فهو نسي شيئًا مهمًا.
فالنساء اللواتي يعملن ويصبرن ويخالطن الناس سنوات طويلة لا يعشن وحدهن كما يظن بعض الرجال.
وقبل أن يصل إلى البيت كنت قد أرسلت نسخًا من جميع المستندات إلى أكثر من شخص أثق به.
وفجأة رن هاتفه نظر إلى الشاشة.
فتغير لون وجهه.
أجاب المكالمة مبتعدًا عنا.
ثم قال مرتبكًا
لا... هذا غير صحيح... من الذي أرسل لكم الفيديو؟
وسكت للحظة.
ثم انخفض صوته فجأة.
وقال
أي تحقيق؟
شعرت ببرودة تسري في جسدي.
تحقيق؟
سمعت أمي الكلمة أيضًا.
أنهى المكالمة بسرعة.
وعندما عاد إلينا رأيت الخوف في عينيه للمرة الأولى.
لم يكن شعورًا بالذنب بل خوفًا حقيقيًا.
أمسكت المرأة الأخرى بذراعه وسألته
أي تحقيق؟
لكنه لم يجب.
وفي تلك اللحظة اهتز هاتفي.
وصلت رسالة من رقم مجهول.
فتحتها.
وكان مكتوبًا فيها
شاهدت البث. والدك لم يخن والدتك فقط. اسأليه عن الحساب رقم 4581 وعن المرأة التي تُدعى خديجة.
حدقت في الرسالة ثم رفعت عيني نحوه.
وقلت
من هي خديجة؟
تغير وجهه بالكامل.
تغير بطريقة جعلتني أعرف الحقيقة قبل أن ينطق بأي كلمة.
التفتت المرأة الأخرى نحوه بسرعة.
وقالت
من هي خديجة؟
أما أمي فسألته بصوت هادئ ومرعب في الوقت نفسه
من هي خديجة؟
ابتلع ريقه ثم قال
لا أحد.
وفي اللحظة نفسها وصلت رسالة أخرى.
كانت صورة.
امرأة ترقد على سرير مستشفى نحيلة شاحبة.
وبجوارها طفل صغير لم يتجاوز الثامنة من عمره وتحت الصورة جملة واحدة
ماتت وهي تنتظر المال الذي أخذه منها.
شعرت بأن يدي أصبحتا باردتين.
وهمست
أي
تقدم أبي نحوي بسرعة.
وقال
أعطيني الهاتف.
لكنني تراجعت خطوة إلى الخلف فوقفت أمي أمامي مباشرة.
وقال هو بغضب
لا تتدخلي.
فرفعت رأسها وقالت
أنت داخل بيتي... وسأتدخل.
وفي تلك اللحظة وصلت رسالة أخرى.
كانت نسخة ممسوحة ضوئيًا من شكوى رسمية تعود إلى عام 2014.
العام نفسه الذي خسر فيه أبي وظيفته.
اسم مقدمة الشكوى خديجة
المبلغ المفقود من الوديعة مبلغ مالي كبير.
والمستفيد المسجل في الحساب ابنها القاصر.
وكان مكتوبًا في أسفل الصفحة
تمت تسوية القضية بشكل خاص.
تسوية.
بذهب أمي.
وبالأموال التي اقترضتها.
وبسنوات التعب التي استنزفت صحتها.
وبالعمل الذي كانت تقوم به ليلًا ونهارًا حتى تسدد الديون التي لم تكن ديونها أصلًا.
وفي تلك اللحظة فقط بدأت أفهم ما الذي كنت أراه أمامي.
فكل تلك السنوات كنت أعتقد أن أبي فقد وظيفته بسبب خطأ مهني وانتهى الأمر عند ذلك.
لم يكن أبي قد سرق من عميل ثري يملك عشرات الحسابات.
بل سرق من أرملة.
امرأة مريضة.
وطفل لا يملك في هذه الدنيا إلا ما تركته له أمه.
رفعت رأسي ببطء.
وشعرت أن الغرفة لم تعد كما كانت قبل دقائق.
حتى الهواء بدا مختلفًا.
ابتعدت المرأة الأخرى خطوة عن أبي.
ولأول مرة منذ بدأت هذه الليلة لم أرَ الغرور على وجهها.
بل رأيت الخوف.
الخوف الحقيقي.
نظرت إليه وهمست بصوت خافت
ما هذا الذي أسمعه؟
بدا أبي وكأنه محاصر من كل الجهات.
وقال وهو يحاول التماسك
كانت عندي ظروف... أنتن لا تفهمن... كل الناس ترتكب أخطاء.
جاء صوت أمي حادًا كالسكين.
أجبرتني على بيع ذهبي حتى تغطي سرقتك من امرأة أخرى؟
قال بسرعة
كانت ستذهب إلى الشرطة.
فقالت أمي دون تردد
وكان يجب أن تفعل.
نظر إليها وكأنها صفعته أمام الجميع.
ثم أطلق ضحكة ساخرة ومريرة.
وقال
الآن تتحدثين عن الأخلاق؟ ألم تعيشي في هذا البيت؟ ألم تستفيدي من المكانة التي كنت أملكها؟
هزت أمي رأسها ببطء.
ثم
لا... أنا من دفعت ثمن تلك المكانة.
في صباح اليوم التالي تجاوز عدد مشاهدات البث مليوني مشاهدة.
أغلقت المرأة الأخرى حساباتها على مواقع التواصل.
ولم يعد أبي إلى المنزل.
لكن العالم الذي بناه من
متابعة القراءة