أخذت طفلتي ذات الستة أشهر إلى قسم الطوارئ

لمحة نيوز

أخذت طفلتي ذات الستة أشهر إلى قسم الطوارئ بعد ثلاثة أيام من الحمى ورفض الطعام. كانت تبكي بشكل هستيري منذ أكثر من ساعة عندما نهض رجل عجوز بملابس رثة من آخر قاعة الانتظار وصاح فيها: "اصمتي". 

ما إن وقعت عينا الطبيب الشاب على الرجل العجوز حتى توقف في مكانه.

سقط الملف من يده.

وتناثرت بعض الأوراق على الأرض.

ساد الصمت لثانية واحدة فقط.

ثم عاد ضجيج قسم الطوارئ من جديد.

لكنني لم أستطع تجاهل ما رأيته.

لم يكن ذلك تعبير شخص يرى مريضًا.

ولا شخصًا فوجئ بأحد معارفه.

كان أقرب إلى شخص رأى شيئًا لم يكن يتوقع رؤيته أبدًا.

انحنى الطبيب بسرعة وجمع أوراقه.

وعندما رفع رأسه مرة أخرى كان العجوز ما يزال جالسًا في مكانه.

هادئًا.

صامتًا.

وكأنه لم يلاحظ شيئًا.

أما أنا فكنت أحاول التركيز على شيء واحد فقط.

مريم.

كانت بين ذراعي تحترق من الحمى.

ورغم أنها توقفت عن البكاء منذ دقائق، فإن هدوءها لم يطمئنني.

بل أخافني أكثر.

كانت

تنظر أحيانًا نحو الرجل العجوز.

ثم تعود لتنظر إلى السقف.

وكأن شيئًا ما يشغلها.

أو يستنزف ما تبقى من طاقتها الصغيرة.

اقتربت منا ممرضة بعد لحظات.

ونادت اسم ابنتي.

حملت مريم ونهضت بسرعة.

ولحق بي حيدر.

لكنني فوجئت بشيء غريب.

الرجل العجوز نهض هو الآخر.

وسار خلفنا.

في البداية ظننته متجهًا إلى مكان آخر.

لكن عندما دخلنا غرفة الفحص دخل خلفنا مباشرة.

تجمدت في مكاني.

والتفت إليه الحارس فورًا.

وقال بحدة:

"حاج، لو سمحت ارجع لمكانك."

لكن الرجل لم يرد.

واكتفى بالنظر إلى مريم.

اقتربت الممرضة منه هذه المرة.

وقالت:

"لا يجوز الوقوف هنا."

ظل صامتًا.

ثم دخل أحد الأطباء المقيمين.

وبمجرد أن رآه قال مستنكرًا:

"من سمح له بالدخول إلى غرفة الفحص؟"

كنت أنتظر أن يطلبوا منه الخروج.

بل إنني كنت أريد ذلك.

فوجوده بدأ يزعجني.

من يكون أصلًا؟

ولماذا يتبعنا؟

لكن الطبيب الشاب الذي استقبلنا قبل قليل فاجأ

الجميع.

رفع يده فجأة.

وقال:

"اتركوه."

ساد الصمت.

حتى الممرضة بدت مذهولة.

ثم سألته:

"دكتور علي... هل تعرفه؟"

نظر إلى العجوز للحظة.

لحظة طويلة أكثر مما ينبغي.

ثم قال بهدوء:

"دعيه يكمل."

هذا فقط.

لا أكثر.

لم يشرح شيئًا.

ولم يذكر سببًا.

ولم يقل من يكون الرجل.

أما أنا فبدأ قلقي يزداد.

شعرت أن هناك شيئًا لا أفهمه.

شيئًا يحدث أمامي بينما أنا منشغلة بابنتي.

بدأ الطبيب يفحص مريم.

سألني عن الحمى.

ومتى بدأت.

وكم مرة رفضت الرضاعة.

وإن كانت قد تناولت أي دواء.

كنت أجيب بسرعة.

وأراقب ابنتي طوال الوقت.

أما العجوز فبقي واقفًا قرب الجدار.

صامتًا.

لا يتكلم.

ولا يتدخل.

لكنه كان يراقب كل شيء.

كل شيء.

حتى إنني لاحظت أنه لم ينظر إلى أي شخص داخل الغرفة.

كان ينظر إلى مريم فقط.

وكأنه يحاول سماع شيء لا يسمعه غيره.

انتهى الطبيب من الفحص الأولي.

وطلب بعض التحاليل.

ثم بدأ

يدوّن ملاحظاته.

عندها فقط تكلم العجوز للمرة الأولى.

كان صوته هادئًا هذه المرة.

هادئًا بصورة غريبة.

نظر إلى مريم طويلًا.

ثم التفت نحوي وسأل:

"هل استيقظت الليلة الماضية وهي تصرخ وكأن شيئًا يؤلم رأسها؟"

توقفت أنفاسي.

وشعرت ببرودة تسري في جسدي.

لأن هذا ما حدث فعلًا.

في الثالثة فجرًا تقريبًا.

استيقظت مريم فجأة.

وأطلقت صرخة مرعبة.

صرخة لم أسمعها منها من قبل.

حتى إنني ظننت في تلك اللحظة أنها تختنق.

حدقت في الرجل غير مصدقة.

ثم سألته:

"كيف عرفت؟"

لكنه لم يجب.

واكتفى بالنظر إلى مريم.

بينما شعرت لأول مرة منذ وصولي إلى المستشفى...

أن هناك شيئًا أخطر بكثير من مجرد حمى.

استمر الصمت داخل غرفة الطوارئ لعدة ثوانٍ.

ثوانٍ قصيرة في الحقيقة.

لكنها بدت لي أطول من الساعات التي قضيتها بجوار سرير ابنتي خلال الأيام الثلاثة الماضية.

كنت أنظر من وجه إلى آخر.

إلى الطبيب الذي شحب وجهه.

إلى الطبيب الآخر الذي

ما زال يحمل التقرير بيد مرتجفة.

إلى الممرضات اللواتي توقفن عن الحركة فجأة.

وإلى كاظم.

الرجل الوحيد داخل الغرفة الذي لم تتغير ملامحه.

كأنه كان يعرف ما سيكتبه ذلك التقرير قبل أن يخرج من المختبر.

أخيرًا كسر الطبيب علي الصمت.

مد يده نحو التقرير.

قرأه مرة أخرى.

ثم قال بصوت منخفض:

"أبلغوا قسم الأشعة فورًا."

التفت أحد الأطباء نحوه وقال بعدم تصديق:

"هل أنت متأكد؟"

رفع الطبيب عينيه عن الورقة.

ثم قال:

"نفذوا ما طلبته."

لم تكن نبرة شخص يناقش.

كانت نبرة شخص أدرك أن الوقت بدأ ينفد.

تم نسخ الرابط