أخذت طفلتي ذات الستة أشهر إلى قسم الطوارئ
في تلك اللحظة شعرت بأن الخوف عاد إليّ بصورة أعنف من أي وقت مضى.
اقتربت من الطبيب.
وسألته:
"ماذا يحدث؟"
لكنه لم يجب مباشرة.
بل طلب من الممرضات تجهيز مريم بسرعة.
ثم نظر إليّ وقال:
"سنبدأ العلاج حالًا."
حالًا.
لم يقل بعد ساعة.
ولا بعد انتهاء الفحوصات.
حالًا.
وكان ذلك وحده كافيًا لأفهم أن الأمر أخطر مما كنت أتصور.
بعد أقل من عشر دقائق كانت مريم محاطة بالأجهزة.
والمحاليل.
والأدوية.
وأشخاص يتحركون بسرعة حولها.
أما أنا فكنت أقف في زاوية الغرفة أشاهد المشهد كله بعجز كامل.
لم أستطع مساعدتها.
لم أستطع حتى حملها.
كل ما استطعت فعله هو الدعاء.
والبكاء بصمت.
بينما كان حيدر يقف بجانبي محاولًا أن يبدو قويًا.
لكنني كنت أرى الخوف في عينيه.
الخوف نفسه الذي يسكنني.
مر وقت طويل قبل أن يعود الطبيب إلينا.
وكان التعب واضحًا على وجهه.
لكن هذه المرة لم يكن هناك ارتباك.
ولا تردد.
جلس أمامنا.
وأخذ نفسًا عميقًا.
ثم قال:
"وصلنا إلى السبب."
تجمدت في مكاني.
وسألته:
"ما الذي أصابها؟"
نظر إلى مريم أولًا.
ثم قال إن الفحص كشف وجود التهاب خطير في الأغشية المحيطة بالدماغ، وإن الأعراض في بدايتها
لم أفهم كل المصطلحات التي استخدمها.
لكنني فهمت شيئًا واحدًا.
ابنتي كانت في خطر حقيقي.
خطر أكبر بكثير مما تخيلته.
شعرت بضعف في ساقي.
وجلست على أقرب كرسي.
بينما راحت الدموع تنزل من عيني دون أن أشعر.
وفي تلك اللحظة فقط التفتُّ نحو كاظم.
كان ما يزال واقفًا قرب النافذة.
هادئًا.
صامتًا.
وكأن كل ما حدث لا يعنيه.
اقتربت منه ببطء.
ونظرت إليه.
ثم قلت:
"أنت أنقذت حياتها."
هز رأسه قليلًا.
وقال:
"الذي أنقذها أنكم جئتم بها في الوقت المناسب."
لكنني لم أقتنع.
لأنني كنت أعرف جيدًا أن الأطباء أنفسهم لم يروا ما رآه.
ولأن التقرير الذي أراد الجميع تجاهله هو نفسه الذي كشف الحقيقة في النهاية.
لذلك التفت إلى الطبيب علي.
وسألته أخيرًا السؤال الذي ظل يدور في رأسي منذ اللحظة التي سقط فيها الملف من يده.
"من يكون هذا الرجل؟"
ساد الصمت مرة أخرى.
نظر الطبيب إلى كاظم.
ثم ابتسم ابتسامة
وقال:
"اسمه كاظم."
انتظرت بقية الجملة.
لكن الاسم وحده لم يخبرني بشيء.
لذلك سألته:
"وماذا يعني ذلك؟"
تنهد الطبيب.
ثم قال:
"عندما كنت طالبًا في كلية الطب كنا نسمع عنه باستمرار."
لم أفهم.
فأكمل:
"كان من أشهر أطباء الأطفال واستشاريي التشخيص."
شعرت بالدهشة.
ونظرت إلى ثيابه القديمة.
وإلى حذائه البالي.
ثم عدت أنظر إلى الطبيب.
ظننت أنني لم أسمع جيدًا.
لكنه تابع حديثه.
وقال إن كاظم درّس أجيالًا كاملة من الأطباء، وإن اسمه كان معروفًا في المستشفيات والجامعات الطبية، وإنه اشتهر بقدرته على اكتشاف الأمراض المعقدة التي يصعب تشخيصها، وإن كثيرًا من الأطباء كانوا يدرسون حالات طبية ارتبطت باسمه خلال سنوات الدراسة.
ثم أضاف:
"كان يستطيع أحيانًا ملاحظة شيء من تفصيل صغير لا ينتبه إليه أحد."
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
وسألته:
"وماذا حدث له؟"
قال إنه اعتزل العمل منذ سنوات طويلة.
واختفى عن الأنظار.
ولم يعد أحد يعرف عنه شيئًا تقريبًا.
ثم نظر إلى كاظم وأضاف:
"لهذا لم أصدق ما رأيته عندما دخلت غرفة الانتظار."
ظللت أحدق في العجوز.
وفي داخلي مزيج غريب من المشاعر.
الامتنان.
والذهول.
والخجل أيضًا.
لأنني كنت أول من ظنه متشردًا.
وأول من انزعج من وجوده.
وأول من أراد إخراجه من الغرفة.
اقتربت منه مرة أخرى.
وقلت:
"شكرًا."
ابتسم للمرة الأولى.
ابتسامة صغيرة جدًا.
ثم قال:
"احرصي على أن تأخذ علاجها كاملًا."
قلت:
"هذا كل شيء؟"
أجاب بهدوء:
"هذا أهم شيء."
ثم استدار نحو الباب.
وسار خارجه.
ببساطة شديدة.
دون أن ينتظر تصفيقًا.
أو شكرًا.
أو حتى أن يلتفت خلفه.
خرج كما دخل.
هادئًا.
وصامتًا.
بعد ساعات طويلة بدأت حرارة مريم تنخفض.
ثم قبلت الرضاعة أخيرًا.
ولأول مرة منذ أيام نامت بهدوء بين ذراعي.
جلست بجوار سريرها أراقب صدرها الصغير وهو يرتفع وينخفض مع كل نفس، وأستعيد في ذهني كل ما حدث منذ دخلنا ذلك المستشفى.
تذكرت الطبيب الذي سقط الملف من يده عندما رأى العجوز.
وتذكرت المرض الذي كان يختبئ داخل طفلتي الصغيرة بينما كان الجميع ينظر إليه على أنه مجرد حمى عابرة.
مرض كان يزداد خطورة ساعة بعد أخرى، ولم يفضحه سوى تفصيل صغير اختبأ داخل بكائها.
ثم تذكرت الرجل الذي ظننته متشردًا.
الرجل الذي تجنبه الناس.
واستعجل الجميع الحكم عليه بمجرد النظر إلى ثيابه القديمة.. كان الوحيد
وعندها أدركت حقيقة لن أنساها ما حييت.
أننا أحيانًا نحكم على الناس قبل أن نسمع منهم كلمة واحدة.
نحكم عليهم من ملابسهم.
ومن شكلهم.
ومن الصورة التي رسمناها لهم في أذهاننا.
فنمنح الثقة لمن يبدو أنيقًا ومحترمًا.
ونتجاهل آخرين لمجرد أن مظهرهم لا يعجبنا.
مع أن الحقيقة لا تسأل عن ثمن الثياب التي نرتديها.
ولا عن شكل أحذيتنا.
ولا عن نظرة الناس إلينا.
فكم من شخص بدا عاديًا في أعين الجميع، وكان يحمل من العلم والخبرة ما يفوقهم جميعًا.
وكم من شخص خدع الناس بمظهره، بينما كانت قيمته الحقيقية أقل بكثير مما ظنوا.