طردتني زوجتي لأنني لم أكن أملك سوى ثمن رغيف خبز واحد
تحركت القطة أمامي بخطواتٍ بطيئة ومترددة، ثم توقفت فجأة والتفتت نحوي بعينيها اللامعتين، وكأنها تريد أن تتأكد أنني ما زلت أسير خلفها ولم أغير رأيي في اللحظة الأخيرة، ثم عادت لتكمل طريقها بين الأعشاب والصخور دون أن تُصدر صوتًا واحدًا.
كنت أتبعها وأنا لا أفهم ما الذي أفعله أصلًا.
فلو أخبرني أحد قبل ساعات فقط أنني سأترك كل شيء وأسير خلف قطة أنقذتها من الغرق، لسخرت منه وظننته فقد عقله.
لكن الإنسان حين يخسر كل شيء يصبح أكثر استعدادًا لفعل أشياء لم يكن ليفكر فيها من قبل.
وربما لهذا السبب واصلت السير خلفها.
لم يكن لدي منزل أعود إليه.
ولم تكن لدي أسرة تنتظرني.
ولم يبقَ في جيبي سوى ثلاثة جنيهات لا تكفي حتى لشراء وجبة تسد جوعي حتى الصباح.
كانت الشمس تقترب من الغروب شيئًا فشيئًا، بينما أخذت القطة تقودني بعيدًا عن الطريق الذي يعرفه أهل القرية، وبعيدًا عن الحقول والبيوت وأصوات الناس، حتى بدأت أشعر أنني أدخل مكانًا لم تطأه قدم منذ سنوات طويلة.
كلما تقدمت خطوة ازداد الصمت من حولي.
حتى صوت الريح بدا خافتًا وغريبًا.
وفجأة توقفت القطة فوق صخرة مرتفعة، ثم قفزت إلى الجهة الأخرى واختفت عن ناظري للحظة.
أسرعت نحو المكان حتى لا أفقد أثرها.
وعندما وصلت رأيت شيئًا لم أكن أتوقعه.
كانت هناك فتحة ضيقة بين الصخور.
فتحة صغيرة تكاد لا تُرى لولا أنني كنت أراقب القطة بعناية.
وقفت أمامها مترددًا.
كان الظلام يملؤها من الداخل.
وكان شكلها كافيًا ليجعل أي رجل عاقل يعود أدراجه
لكن شيئًا ما في داخلي أخبرني أن أواصل الطريق.
شيئًا لم أستطع تفسيره حتى اليوم.
وهكذا أخذت نفسًا عميقًا.
ثم انحنيت ودخلت خلف القطة إلى ذلك الممر المظلم...
غير مدرك أن الخطوة التالية ستكشف لي سرًا ظل مدفونًا عن أهل القرية لأكثر من عشرين عامًا.
ما إن عبرت الفتحة الضيقة حتى شعرت وكأنني انتقلت إلى عالم آخر لا يشبه شيئًا عرفته من قبل، فقد اختفى ضوء الغروب خلف الصخور السميكة، وحل محله ظلام بارد جعلني أتوقف للحظة محاولًا أن أعتاد على ما تراه عيناي، بينما كانت رائحة الرطوبة والتراب القديم تملأ المكان بصورة غريبة وكأن الهواء نفسه ظل حبيسًا هنا لسنوات طويلة دون أن يتجدد.
مددت يدي أتحسس الجدار الصخري إلى جواري وأنا أتقدم بحذر شديد، وكانت خطواتي تتردد داخل الممر الضيق بصدى خافت يزيد من توتري كلما تحركت إلى الأمام، أما القطة فلم أعد أراها.
اختفت تمامًا.
وكأنها لم تكن موجودة أصلًا.
توقفت عدة مرات وناديت عليها دون وعي.
لكن لم يصلني أي جواب سوى الصمت.
صمت ثقيل.
صمت جعلني أشعر بأن المكان يخفي شيئًا لا أعرفه.
كل ما كنت أعرفه أنني قطعت مسافة طويلة خلف تلك القطة، وأن العودة الآن لن تجيب عن أي سؤال يدور في رأسي.
لذلك واصلت التقدم.
وبعد عدة أمتار بدأ الممر يتسع تدريجيًا حتى وجدت نفسي داخل تجويف صخري كبير يشبه المغارة.
وفي تلك اللحظة تحديدًا بدأت ألاحظ أشياء لم تكن تنتمي إلى الطبيعة.
في البداية رأيت بطانية قديمة ملقاة فوق الأرض.
كانت مغطاة بطبقة كثيفة من
لكن شكلها أوضح أنها لم تصل إلى هنا بالصدفة.
ثم رأيت بالقرب منها بعض الأواني المعدنية الصدئة.
وبقايا موقد حجري صغير.
وزجاجات فارغة.
وأدوات متفرقة متناثرة في عدة أماكن.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
فكل شيء حولي كان يقول إن شخصًا ما عاش هنا فترة طويلة.
ولم يكن مجرد عابر طريق.
بل شخص اتخذ من هذا المكان منزلًا له.
بدأت عيناي تتحركان بسرعة بين الأركان المختلفة للمغارة.
كنت أحاول أن أفهم من يكون هذا الشخص.
ولماذا اختار أن يعيش في مكان كهذا بعيدًا عن الناس.
وفجأة لمحت شيئًا جعل الدم يتجمد في عروقي.
شيئًا جعلني أتوقف في مكاني دون حركة.
على بعد عدة خطوات مني كان هناك هيكل عظمي بشري.
هيكل كامل.
مستند إلى الجدار الصخري وكأنه كان جالسًا في لحظاته الأخيرة.
شعرت بأن قلبي قفز داخل صدري.
وتراجعت إلى الخلف عدة خطوات بعنف.
حتى كدت أسقط.
لم أكن قد رأيت جثة في حياتي.
فكيف بهيكل عظمي كامل داخل مغارة مهجورة؟
لم أفكر في شيء.
استدرت فورًا محاولًا الخروج.
كنت أريد الابتعاد عن ذلك المكان بأسرع ما يمكن.
لكنني أثناء التراجع اصطدمت قدمي بشيء معدني.
التفت تلقائيًا.
وهنا بدأت القصة كلها.
كانت هناك عدة صناديق حديدية كبيرة مصطفة بالقرب من الهيكل العظمي.
لم ألاحظها من قبل بسبب الظلام والخوف.
اقتربت منها بحذر.
كانت قديمة للغاية.
ومغطاة بالصدأ.
لكنها بدت مغلقة بعناية.
ترددت للحظات.
ثم ركعت على ركبتي وأمسكت بغطاء أحدها.
احتجت إلى جهد كبير حتى تمكنت
وما إن ارتفع الغطاء حتى شعرت بأن أنفاسي انقطعت.
كان الصندوق ممتلئًا برزم من الأموال.
عشرات الرزم.
وربما مئات.
حدقت فيها غير مصدق لما أراه.
حتى إنني أغلقت الصندوق مرة أخرى ظنًا مني أنني أتخيل.
ثم فتحته من جديد.
لكن الأموال كانت ما تزال هناك.
كما هي.
شعرت أن رأسي يدور.
وأن ما يحدث أكبر من قدرتي على الاستيعاب.
انتقلت إلى الصندوق الثاني.
كانت يداي ترتجفان وأنا أفتحه.
وحين نجحت في ذلك اتسعت عيناي أكثر.
ذهب.
قطع ذهبية كثيرة.
وسبائك صغيرة.
وحلي ثمينة لم أر مثلها إلا في الصور.
أما الصندوق الثالث فكان أكثر غرابة.
فقد احتوى على أكياس ممتلئة بعملات قديمة ومجوهرات وأشياء ثمينة لا أعرف قيمتها الحقيقية.
جلست على الأرض.
لم أعد قادرًا على الوقوف.
كنت أنظر إلى الصناديق.
ثم إلى الهيكل العظمي.
ثم أعود للنظر إلى الصناديق مرة أخرى.. ثم رأيت بطاقة هويته.
وبدأت الذكريات القديمة تتحرك داخل رأسي.
ذكريات كنت أسمعها وأنا طفل.
قصص كان الكبار يرددونها كلما اجتمعوا في ليالي الشتاء.
قصص عن رجل ثري للغاية عاش في قريتنا منذ سنوات طويلة.
رجل لم يكن يشبه أحدًا.
كان يملك المال أكثر مما يحتاج.. لكنه كان بخيل جدا
كان يرفض مساعدة أحد.
ويرفض الإنفاق على نفسه.
ويخزن أمواله في أماكن لا يعرفها أحد.
ثم اختفى فجأة ذات يوم.
اختفى دون أثر.
وبحث عنه أهل القرية طويلًا.
لكنهم لم يجدوه.
ومع مرور الوقت انتشرت الشائعات.
قال البعض إنه هرب بثروته.
وقال آخرون إنه
وقال فريق ثالث إنه تعرض للقتل.
لكن أحدًا لم يعرف الحقيقة أبدًا.
حتى تلك اللحظة.
حتى تلك المغارة.
حتى ذلك الهيكل العظمي الجالس أمامي.
فجأة أصبحت الصورة واضحة.
واضحة بصورة مخيفة.
هذا الرجل لم يهرب.
ولم يسافر.
ولم يسرقه أحد.