في جنازة زوجي، استلم أولادي العمارات والشقق
المحتويات
كما هم.
لقد اندفعوا نحو المال دون أن يتوقفوا لحظة لقراءة التفاصيل.
تمامًا كما كانوا يندفعون نحوي كلما احتاجوا إلى مال أو خدمة أو معروف.
ثم يختفون فور حصولهم على ما يريدون.
دون سؤال.
دون اهتمام.
دون أن يتذكر أحدهم أن لي قلبًا يتعب كما تتعب قلوب البشر.
همست بصوت خافت
أحقًا فعل أبو علي كل هذا؟
أجاب قيس
أبو علي منحهم فرصًا كثيرة ليكونوا أبناء صالحين، لكنهم هم من اختاروا غير ذلك.
في تلك الليلة نمت داخل المنزل الذي تركه حسن.
كان منزلًا قديمًا، لكنه يحمل دفئًا وهيبة يصعب وصفهما بالكلمات.
كانت الأرضيات الخشبية اللامعة تعكس الضوء الذهبي للمصابيح.
وكانت الأسقف المرتفعة تمنح المكان سكينة غريبة.
أما الشرفة الواسعة التي تحيط بالمنزل، فكانت تسمح لصوت المطر بالدخول من كل الجهات.
لكن المطر هنا لم يكن يشبه أي مطر عرفته من قبل.
لم يكن يبدو كعاصفة.
بل كرفيق هادئ يجلس إلى جوارك كي لا تشعري بالوحدة.
تجولت بين الغرف ببطء.
وكانت صور حسن معلقة على الجدران في كل مكان.
في بعضها كان شابًا يقف وسط المزارع.
وفي أخرى كان أكبر سنًا يبتسم بين العمال.
وفي صورة صغيرة كان يحتضن كلبًا ضالًا بابتسامة دافئة جعلتني أشعر أنني أعرفه رغم أنني لم ألتقِ به يومًا.
وفي صباح اليوم التالي دخلت إلى المطبخ.
فوجدت مائدة إفطار أُعدت بعناية.
وبجانبها ورقة صغيرة كُتب عليها بخط جميل
مرحبًا بكِ يا أمينة.
هذا البيت كان ينتظر وصولك منذ سنوات.
جلست وحدي أمام الطاولة.
لا أولاد.
لا أحفاد.
لا ضجيج.
لا مطالب.
فقط أنا.
تناولت لقمة صغيرة.
ثم امتلأت عيناي بالدموع من جديد.
لكنها لم تكن دموع الحزن نفسها.
كانت دموع امرأة بدأت تشعر أخيرًا أن لها مكانًا في هذا العالم.
مكانًا لا يُطلب منها فيه أن تعطي أكثر مما تملك.
وفي صباح اليوم التالي
وكلما ارتفعت السيارة بين الجبال، ازداد المشهد حولي جمالًا.
امتدت الحقول الخضراء إلى ما لا نهاية.
وتسلل الضباب بين التلال كأنه نهر أبيض هادئ.
وتناثرت البيوت الريفية الصغيرة بين الأشجار.
وكان الناس يلوحون لنا بابتسامات ودودة كلما مررنا بالقرب منهم.
نساء يكنسن أمام بيوتهن.
وأطفال يركضون بين الحقول.
وعمال يبدأون يومهم منذ ساعات الفجر الأولى.
أما أنا فكنت أنظر من نافذة السيارة بصمت.
وأفكر في السنوات الطويلة التي قضيتها بين المستشفيات والصيدليات والفواتير وغرف المرض.
سنوات كاملة نسيت خلالها كيف تبدو الحياة خارج دائرة التعب.
هنا فقط شعرت أن الهواء مختلف.
كان يحمل رائحة الأرض بعد المطر.
رائحة الحياة.
رائحة شيء ما يزال حيًا رغم كل ما مر به.
ثم ظهرت أمامنا لافتة خشبية كبيرة عند مدخل المزرعة.
تباطأت السيارة.
ورفعت عيني إليها.
كان الاسم محفورًا على الخشب بخط واضح
الأخوان
وفي اللحظة التي قرأت فيها الاسم، عادت الصورة القديمة إلى ذهني فورًا.
أبو علي.
وحسن.
واقفان جنبًا إلى جنب أمام منزل خشبي قديم.
وفجأة شعرت أن كل قطعة مفقودة من الحكاية بدأت تستقر في مكانها الصحيح.
ترجلت من السيارة وأنا ما زلت أحدق في المكان من حولي.
وفي تلك اللحظة خرجت امرأة في أواخر الستينيات من عمرها من باب المنزل الرئيسي.
كانت تبتسم وكأنها تعرفني منذ زمن طويل.
اقتربت مني مباشرة واحتضنتني بحرارة.
ثم قالت
كان أبو علي يذكر اسمك دائمًا.
نظرت إليها بدهشة.
كان يتحدث عني هنا؟
ابتسمت وقالت
في كل مرة كان يتصل فيها بالمزرعة أو بالمكتب الإداري، كان يوصينا بأمر واحد.
وما هو؟
قالت
كان يقول عندما تصل أمينة يومًا، لا تعاملوها كضيفة، بل عاملوها كصاحبة الدار.
توقفت الكلمات في حلقي.
صاحبة الدار.
بدت العبارة
أنا التي قضيت عمري كله أخدم الآخرين، وأضع نفسي دائمًا في آخر الصف.
تجولت داخل المنزل الكبير.
كانت هناك شرفة واسعة تصطف فيها الكراسي الهزازة.
وطاولة طعام طويلة تكفي لعائلة كاملة.
وأحواض زهور ملونة تزين المكان.
وغرفة نوم أُعدت بعناية وكأن أحدًا كان ينتظر وصولي منذ سنوات.
وفوق الطاولة الصغيرة بجوار السرير وجدت صورة أخرى.
كان أبو علي فيها بشعره الأبيض الكامل.
يجلس إلى جوار حسن.
وعلى ظهر الصورة تاريخ يعود إلى خمسة عشر عامًا.
حدقت فيها طويلًا.
ثم تذكرت ذلك الأسبوع جيدًا.
كنت قد بقيت في المنزل لأرعى أحفادي.
أما أبو علي فأخبرني يومها أنه مسافر لمراجعة طبيب متخصص.
شعرت بوخزة صغيرة في قلبي.
ليس بسبب الرحلة نفسها.
بل بسبب السر الذي احتفظ به كل تلك السنوات.
همست وأنا أحدق في الصورة
لماذا لم يأخذني معه؟
كان قيس ينظر إلى التلال الممتدة أمامنا.
ثم قال بهدوء
لأنه كان يعرف أولادك جيدًا. كانوا يتابعون حساباته وأملاكه منذ سنوات، وكان يخشى أنهم إذا علموا بأمر هذه الممتلكات فسيحاولون الضغط عليك للتصرف فيها. كما كان يعلم أنكِ لن تتركيه وتسافري بعيدًا وهو يصارع المرض.
وأدركت أنه كان محقًا.
فلو طلب مني الرحيل يومها...
لما تركت جانبه أبدًا.
وبحلول الظهيرة بدأ هاتفي يهتز بلا توقف.
علي.
ثم زهراء.
ثم سارة.
ثم عشرات الرسائل المتلاحقة.
أمي أين أنت؟
يجب أن نتحدث بشأن الوصية.
لا يصح أن تختفي هكذا.
هناك مشكلات قانونية كبيرة.
ابتسمت رغم نفسي.
كم هو غريب أن يتذكر الأبناء أمهم فجأة عندما يكتشفون أن لديها شيئًا ما يحتاجون إليه.
وضعت الهاتف جانبًا.
ولم أرد على أحد.
وفي تلك الليلة جلس قيس معي في الشرفة المطلة على المزارع.
وأخذ يشرح لي كل شيء بصبر كبير.
الأوراق التي يجب أن أوقعها.
والإجراءات التي ينبغي إتمامها.
وكيفية تثبيت ملكيتي القانونية لما تركه أبو علي وحسن.
وما إذا كنت أرغب في الإشراف على المزرعة بنفسي أو ترك الإدارة اليومية لمن يتولى ذلك.
ثم بدأ يشرح لي السجلات الرسمية والتوكيلات القانونية والحسابات البنكية والإجراءات المتعلقة بالممتلكات.
كنت أستمع إليه بصمت.
وأشعر أنني أقف على أعتاب عالم جديد تمامًا.
عالم لم أتخيل يومًا أن أكون جزءًا منه.
عالم أكبر بكثير من امرأة أمضت معظم عمرها بين المطبخ وغرفة المرض وسداد الفواتير.
وأخيرًا كسرتُ الصمت.
ونظرت إلى قيس وقلت بصوت خافت
لا أعرف إن كنت قادرة على كل هذا.
كنت أنظر إلى الأوراق المكدسة أمامي وكأنها تتحدث بلغة لا أفهمها.
عقود.
ومؤسسات.
وحسابات.
وأملاك.
ومسؤوليات لم أتخيل يومًا أنها ستوضع فوق كتفي.
فأنا لم أكن سيدة أعمال.
ولم أدر شركة.
ولم أجلس يومًا خلف مكتب فاخر أتخذ القرارات.
كنت مجرد امرأة عاشت عمرها كله بين جدران بيتها.
ترعى زوجها.
وتربي أبناءها.
وتحاول أن تجعل الأيام تمر بأقل قدر ممكن من الخسائر.
لكن سروة، التي كانت تصب القهوة بهدوء، وضعت الإبريق على الطاولة ونظرت إليّ مباشرة.
ثم قالت بحزم
يا أمينة... أنتِ المرأة نفسها التي كانت ترفع أبا علي من سريره عندما عجزت قدماه عن حمله.
وسكتت لحظة.
ثم أضافت
صدقيني... الأوراق أسهل كثيرًا من حمل إنسان تحبينه وهو يذبل أمام عينيك.
ابتسمت رغم الدموع التي ملأت عيني.
لأنها كانت محقة.
محقة أكثر مما تتصور.
بعد ثلاثة أيام فقط...
وصل أولادي إلى أربيل.
لا أعرف كيف عثروا على العنوان.
ربما من خلال الأوراق الرسمية.
وربما لأن المال يمنح بعض الناس قدرة عجيبة على البحث عندما يخشون أن يفقدوا شيئًا منه.
لكنهم وصلوا.
وصلوا غاضبين.
ومتوترين.
ويرتدون ملابس رسمية أنيقة وكأنهم
دخلت زهراء أولًا.
ودون أن تلقي السلام حتى، قالت بعصبية
أمي... ماذا تفعلين هنا بالضبط؟
كنت أجلس قرب النافذة الكبيرة.
أحتسي قهوتي بهدوء.
وأراقب المطر وهو يهبط فوق الأشجار.
رفعت بصري إليها وقلت
أتناول فطوري.
نظر علي حوله بانبهار واضح.
كانت عيناه تتنقلان بين الجدران والأثاث واللوحات القديمة.
ثم سأل
هل كان أبي يملك هذا المكان؟
أجبته بهدوء
لا.
هذا المكان كان ملكًا لحسن.
قطب حاجبيه.
وقال بانفعال
ومن يكون حسن أصلًا؟
في تلك اللحظة خرج قيس من المكتب المجاور.
وكان يحمل حقيبته
متابعة القراءة