كنت في طريقي إلى فرنسا مع ابني
واضحة تنظم الوضع مؤقتًا.
وخلال تلك الفترة، كانت تستيقظ أحيانًا في منتصف الليل.
ثم تأتي بهدوء إلى غرفتي.
وتجلس على حافة السرير.
وفي إحدى الليالي سألتني
جدتي... هل كنتِ سترحلين إلى الأبد؟
ابتسمت رغم الألم.
لا يا حبيبتي.
خفضت رأسها قليلًا.
ثم قالت
لكن أبي قال إن أحدًا هناك لن يصدقكِ.
مررت أصابعي بين خصلات شعرها.
ونظرت إليها.
ولهذا أعطيتِني الورقة، أليس كذلك؟
هزت رأسها.
كنت خائفة.
ابتسمت بحزن.
وأنا أيضًا كنت خائفة.
رفعت عينيها نحوي.
هل أخطأت عندما فعلت ذلك؟
وقلت
بل أنقذتِني يا مريم.
دفنت وجهها في كتفي.
وبكت بصمت.
وكان ذلك أكثر ما آلمني في كل ما حدث.
ليس المال.
ولا المنزل.
ولا الأوراق.
بل أن حفيدتي ذات الأعوام الثمانية اضطرت إلى أن تصبح جرس إنذار، لأن الكبار من حولها لم يروا ما كان يحدث.
أما أنا ووالدتها...
فبدأنا نتحدث كثيرًا.
في المطبخ غالبًا.
وأحيانًا لساعات طويلة.
في البداية كان بيننا شيء من الحرج.
وشيء من المسافة.
فأنا أيضًا أخطأت في حقها.
صدقت أحمد عندما وصفها بأنها كثيرة المشاكل.
وصدقت أنه كان يبالغ في شكواه منها.
وصدقت أن الأم لا تُحرم من ابنتها إلا إذا كانت قد ارتكبت خطأً كبيرًا.
وكلما تذكرت ذلك، شعرت بالخجل.
في أحد الأيام، بينما كنا نعد القهوة، قلت لها
سامحيني.
ظلت صامتة لثوانٍ.
ثم قالت بهدوء
وأنا أيضًا كنت أظن أنكِ في صفه.
تنهدت.
وقلت
كنت في صف ابني... من دون أن أنتبه إلى من كان يؤذيه في طريقه.
خفضت بصرها.
ثم قالت
هو يستغل ذلك.
ماذا؟
أن الناس يحبونه.
أومأت ببطء.
كانت محقة.
لقد استخدم أحمد محبة الناس
استخدمها معي.
ومع زوجته.
ومع مريم.
وحتى مع ذكرى والده.
لم يُبع المنزل.
بقي في مكانه.
لكننا أعدنا إليه الحياة.
قمنا بطلائه من جديد.
ليس لنمحو الماضي.
بل لنستعيد ما حاولوا أخذه منا.
وعادت غرفة الخياطة إليّ.
أخرجت الصناديق منها.
ونظفت الأرضية.
وأعدت ماكينة الخياطة إلى مكانها أمام النافذة.
أما الغطاء المعدني الأسود...
فتركته ظاهرًا على الجدار.
لم أخفه هذه المرة.
وفي اليوم التالي، أحضرت مريم مجموعة من النجوم الورقية البنفسجية.
وألصقتها حول الغطاء الأسود على الجدار.
ثم تراجعت خطوة إلى الخلف لتتأمل عملها.
وقالت مبتسمة
حتى لا يبدو مخيفًا بعد الآن.
ضحكت لأول مرة منذ مدة طويلة.
لم أبع المنزل.
لكنني فعلت شيئًا لم يتوقعه أحمد أبدًا.
اتخذت إجراءات قانونية تحميه وتحمي قراراتي ومستقبلي.
كتبت وصية جديدة.
ونظمت جميع أوراقي وممتلكاتي.
وأضفت بنودًا واضحة تمنع أي شخص من التصرف نيابة عني أو اتخاذ قرارات مصيرية تخصني دون إجراءات قانونية واضحة وموافقتي الكاملة.
وعندما انتهيت من توقيع الأوراق، ابتسم الأستاذ سامي وقال
الآن أصبح لكل شيء قفل يا أم أحمد.
أما أحمد...
فبدأ يواجه تبعات ما فعله.
لم يدخل السجن مباشرة.
فبعض القضايا بقيت أمام المحاكم المدنية.
وأخرى استمرت فيها التحقيقات.
لكن شيئًا واحدًا تغيّر بالتأكيد.
لم يعد قادرًا على الوصول إلى حساباتي.
ولا إلى منزلي.
ولا إلى أي قرار يخص مريم.
أما والدتها...
فبدأت تستعيد حياتها واستقرارها تدريجيًا.
وأما أنا...
فاستعدت حقًا بسيطًا جدًا.
حق أن أقول لا.
من دون أن أعتذر بعدها.
بعد عام كامل، وصلتني رسالة من أحمد.
كتب فيها أنه كان يمر بضائقة مالية.
وأنه كان تحت ضغوط كبيرة.
وأنه لم يكن يريد إيذائي.
وأن السفر إلى فرنسا كان، بحسب رأيه، أفضل حل للجميع.
قرأت الرسالة حتى نهايتها.
ثم تذكرت السؤال الوحيد الذي طلبت من الأستاذ سامي أن يوصله إليه.
سؤالًا لم يجب عنه أبدًا.
لماذا اضطرت حفيدتي أن تطلب مني الهرب؟
ولأنه لا توجد إجابة جيدة على ذلك السؤال.
فقد بقي صامتًا.
اليوم ما زلت أعيش في بيتي.
أمشي أحيانًا إلى السوق القريب.
أشتري بعض الخضار.
والأعشاب الطازجة.
وأحيانًا أشتري أزهارًا لا أحتاجها حقًا.
فقط لأنني أحب وجودها في المنزل.
وفي بعض الأمسيات أجلس في الساحة القريبة مع فنجان قهوة.
أراقب الناس وهم يمرون.
وأفكر في ذلك اليوم.
في المطار.
وفي يدي المغلقة على تلك الورقة الصغيرة.
وفي الكلمة المكتوبة بالقلم البنفسجي.
اهربي.
كلمة صغيرة.
كتبتها طفلة.
لكنها فتحت بابًا كاملًا للحقيقة.
أصبحت مريم في التاسعة من عمرها الآن.
ولم تعد ترسم النوافذ المشطوبة كما كانت تفعل سابقًا.
بل ترسم بيوتًا كثيرة الأبواب.
وفي كل بيت تقريبًا تضع مربعًا أسود على أحد الجدران.
وفي أحد الأيام سألتها
هل ما زال ذلك مكانًا للاختباء؟
هزت رأسها مبتسمة.
وقالت
لا يا جدتي.
ثم أشارت إلى الرسم.
وأضافت
الآن صار زر الطوارئ.
ضحكت.
ثم بكيت لاحقًا عندما لم تكن تنظر إليّ.
أما والدتها فتعمل في مكان قريب.
وتزورنا كثيرًا في المساء.
وأحيانًا نجلس نحن الثلاثة حول مائدة العشاء.
أرز.
ودجاج.
وسلطة.
وأطباق أحب إعدادها عندما أريد أن أدلل من أحب.
عاد إلى المنزل ذلك
ليس ضجيج الأوراق المخفية.
ولا ضجيج المكالمات التي تُهمس خلف الأبواب المغلقة.
بل ضجيج الصحون.
والواجبات المدرسية.
والتلفاز.
والضحكات.
أما أحمد...
فلم يعد يدخل هذا البيت.
يمكنه أن يرسل الرسائل.
ويمكنه أن يحضر الجلسات.
ويمكنه أن يقف أمام القضاة والمحامين.
لكن هذا المنزل لم يعد مفتوحًا له كما كان يومًا.
في ذلك الصباح داخل مطار البصرة، قال أحمد إنه يأخذني إلى فرنسا لأقضي سنوات تقاعدي هناك.
هذا ما قاله.
لكن الحقيقة كانت مختلفة.
كان يأخذني بعيدًا عن بيتي.
وعن حساباتي.
وعن ذكرياتي.
وعن حقي في اتخاذ قراراتي بنفسي.
كان يريد أن يحولني إلى توقيع بعيد.
وإلى أم تشكره على كل شيء حتى وهي تفقد كل شيء.
لكن حفيدتي ذات الأعوام الثمانية وضعت ورقة صغيرة في يدي.
كتبت عليها كلمة واحدة
اهربي.
تظاهرت بألم في معدتي.
وغادرت المطار.
وبحثت عن المربع الأسود.
لكنني لم أجد أوراقًا ووثائق فقط.
وجدت آخر حماية تركها لي زوجي.
ووجدت شجاعة حفيدتي.
وحقيقة أم مريم.
والوجه الحقيقي لابني.
ووجدت شيئًا آخر ظننت أنني فقدته منذ زمن.
وجدت نفسي.
المرأة القادرة على الوقوف من جديد.
وإغلاق قبضتها على قرارها.
وعبور باب مفتوح لتختار حياتها بنفسها قبل أن يقررها الآخرون عنها.
يسألني بعض الناس أحيانًا
هل كان الإبلاغ عن أحمد مؤلمًا؟
بالطبع كان مؤلمًا.
هناك أوجاع لا نتجاوزها تمامًا.
بل نتعلم كيف نعيش معها.
لكن ألمًا أكبر كان ينتظرني لو صعدت إلى تلك الطائرة.
ولو اكتشفت متأخرة أنني لم أكن أسافر إلى فرنسا.
بل كنت أسافر نحو الصمت.
ولهذا ما زلت أحتفظ بورقة مريم الصغيرة.
داخل صندوق خشبي.
بجوار رسائل زوجي.
وبجوار مفتاح المربع الأسود.
وبجوار وصيتي الجديدة.
أفتح الصندوق أحيانًا.
وأقرأ تلك الكلمة المكتوبة بخط طفولي مرتجف.
اهربي.
لكنني لم أعد أقرأها باعتبارها كلمة خوف.
بل باعتبارها إرثًا.
لأن تلك الطفلة علمتني أن الإنسان يستطيع أن يولد من جديد في أي عمر.
حتى لو كان واقفًا عند باب مطار.
بقلب مكسور.
وحقيبة مهملة.
ويقين واحد فقط
إذا كان أحدهم يريد أن يبعدك عن كل ما تحب بحجة أنه يعتني بك، لكنه لا يمنحك حق الاختيار...
فذلك ليس اهتمامًا.
وليس حبًا.
الحب لا يسلب الإنسان إرادته.
ولا حقه في تقرير مصيره.
أما أنا...
أم أحمد...
فلم أُخلق لأختفي من أجل حب أي شخص.
مهما كان ذلك الشخص.