بعد خمس سنوات من تركي لزوجتي
المحتويات
طريقي نحو النجاح.
رفع طارق رأسه ونظر نحوي.
وأدركت من النظرة الأولى أنه تعرف عليّ.
رأيت ذلك في التوتر الخفيف الذي ارتسم على ملامحه.
لكنه لم يبتسم.
ولم يحاول استعراض انتصاره.
ولم يرمقني بنظرة شماتة.
بل نظر إليّ بنفس الهدوء الذي رأيته في تلك الليلة قبل عامين.
الهدوء نفسه الذي كنت أكرهه لأنّه كان يكشف حقيقتي.
وفي تلك اللحظة...
فهمت كل شيء.
فهمت كل ما منعني غروري من رؤيته طوال السنوات الماضية.
لم تتزوج مريم رجلًا فقيرًا.
بل تزوجت رجلًا حقيقيًا.
رجلًا يعرف معنى الكرامة.
رجلًا لا يختبئ خلف اسم عائلة نافذة.
ولا خلف حساب مصرفي ضخم.
ولا خلف بدلة باهظة الثمن توهم الناس بالنجاح.
نعم، كان يعمل بيديه.
لكنّه لم يكن ليستخدم امرأة يومًا كدرجة يصعد عليها.
شعرت بغصة حادة ترتفع في حلقي.
كان الضيوف يبتسمون ويتبادلون الأحاديث ويجلسون في مقاعدهم البلاستيكية البيضاء، غير مدركين أنني كنت على وشك الانهيار في وسط ذلك المكان البسيط.
وفي الخلفية بدأت الأضواء المعلقة بين الأشجار تشتعل مع اقتراب الغروب.
كان الهواء يحمل رائحة التراب الرطب.
ورائحة الأزهار.
ورائحة الطعام الذي أعدته العائلة بنفسها.
كل شيء كان بسيطًا.
وكل شيء كان حقيقيًا.
أما أنا...
فوقفت هناك بسترتي الباهظة وحذائي الإيطالي الذي التصق به طين الممر الترابي.
وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة...
رأيت
شخصًا مثيرًا للشفقة.
وفي تلك اللحظة خرجت مريم من المنزل.
كانت ترتدي فستان زفاف أبيض بسيطًا.
بلا تطريز مبالغ فيه.
ولا أحجار لامعة.
ولا أي محاولة لجذب الأنظار.
كان فستانًا متواضعًا وأنيقًا في الوقت نفسه.
لكنها لم تكن جميلة بسبب الفستان.
كانت جميلة بسبب السعادة التي تملأ وجهها.
وهنا بالذات...
تحطم شيء داخلي.
لأن تلك السعادة لم يكن لها أي علاقة بي.
لم تكن سعادة امرأة تحاول إثبات أنها اختارت جيدًا بعد تجربة مؤلمة.
ولم تكن سعادة شخص يريد أن يثير غيرة من تركه.
بل كانت شيئًا أعمق من ذلك بكثير.
كانت طمأنينة.
وسكينة.
وراحة إنسان توقف أخيرًا عن مطاردة الأشخاص الذين يجعلونه يشعر بأنه أقل مما يستحق.
التقت أعيننا.
ورأيت اللحظة نفسها التي تعرفت فيها عليّ.
لم ترتبك.
ولم تخف.
ولم يتغير لون وجهها.
توقفت لثانية واحدة فقط.
ثم واصلت سيرها نحو طارق.
وكأنني أصبحت أخيرًا ما كنت عليه طوال السنوات الماضية ورفضت الاعتراف به
مجرد ماضٍ انتهى.
كان مقدم الحفل يتحدث، لكنني لم أسمع كلمة واحدة.
كان صوت دقات قلبي أعلى من كل شيء.
وشعرت بيدٍ تلامس ذراعي.
التفت فوجدت صديقي القديم، الشخص نفسه الذي أخبرني بخبر الزفاف.
قال بقلق
ياسر... هل أنت بخير؟
لكنني لم أستطع الإجابة.
في تلك اللحظة مدّ طارق يده إلى مريم ليساعدها على النزول من الدرجة
فوضعت يدها في يده بثقة كاملة.
بكل بساطة.
وبكل اطمئنان.
ذلك النوع من الأمان الذي لا يمكن أن تمنحه امرأة لرجل إلا إذا كانت تعرف في أعماقها أنه لن يسخر منها يومًا.
ولن يخذلها.
ولن يستبدلها عندما يجد فرصة أفضل.
وعندها...
اجتاحتني الذكريات دفعة واحدة.
تذكرت مريم وهي تحضر لي القهوة أثناء أيام الامتحانات في الجامعة.
تذكرت انتظارها الطويل أمام المكتبة حتى أنتهي من الدراسة.
تذكرت السندويشات البسيطة التي كانت تلفها لي في المناديل لأنها كانت تعرف أنني أتجاوز وجباتي أحيانًا لأوفر المال.
تذكرت يوم كانت تجلس على طرف سريري في السكن الجامعي تخيط زرًا سقط من قميصي قبل مقابلة عمل مهمة، بينما كنت أتدرب أمام المرآة على الإجابات التي سأقولها.
تذكرت أول عقد كبير حصلت عليه في حياتي المهنية.
يومها لم أكن أنا الوحيد الذي فرح.
لقد بكت مريم من شدة السعادة.
بكت وكأن النجاح نجاحها هي.
وكأن الحلم حلمها هي أيضًا.
ثم...
تذكرت اليوم الذي تركتها فيه.
تذكرت نظرتها عندما أخبرتها أنني أحتاج إلى امرأة تتناسب أكثر مع مستقبلي.
لم تصرخ.
ولم تشتم.
ولم تحاول إذلالي.
كانت تنظر إليّ فقط.
بنظرة لن أنساها ما حييت.
نظرة إنسان اكتشف فجأة أن الشخص الذي أحبه لم يكن يرى قلبه أبدًا.
ولم أكن صادقًا معها حتى في لحظة الرحيل.
لم أخبرها يومًا أنني كنت أخجل من
لم أقل لها إنني كنت أرى أن العالم اللامع الذي أحلم به أكبر من أن يتسع لفتاة مثلها.
ولم أعترف لها بأن طموحي كان أقوى من وفائي.
لكنها لم تتوسل إليّ أن أبقى.
وهذا ما أزعجني أكثر من أي شيء آخر في ذلك الوقت.
كل ما فعلته أنها نظرت إليّ وسألت بهدوء
وماذا عن كل ما بنيناه معًا؟ هل أصبح بلا قيمة؟
أما أنا...
فأجبتها بكلمات لا أزال أخجل من تذكرها.
قلت شيئًا عن أن الحب لا يدفع الفواتير.
وقلت أشياء صغيرة وبائسة وقاسية.
أشياء ينطق بها الأشخاص الذين يحاولون تبرير خيانتهم لأنفسهم.
والآن...
ها أنا أقف بعد سنوات طويلة أشاهد رجلًا آخر يحصل على الشيء نفسه الذي احتقرته يومًا لأنه لم يكن مغلفًا بالمال والمكانة الاجتماعية.
كان طارق ينظر إلى مريم وكأن ضجيج العالم كله يتلاشى عندما تكون بقربه.
وكانت مريم تبتسم له.
ابتسامة هادئة.
صادقة.
مليئة بالطمأنينة.
عندها استدرت.
لم أعد قادرًا على البقاء.
لم أستطع احتمال ثانية إضافية أمام تلك الحقيقة النقية.
بدأت أسير بسرعة نحو سيارتي.
خلفي كانت أصوات الحاضرين تختلط بضحكاتهم.
ثم بدأت موسيقى الزفاف الهادئة تعلو شيئًا فشيئًا.
سمعت صديقي يناديني مرتين.
لكنني لم ألتفت.
كانت عيناي تحترقان.
وحلقي يؤلمني.
وشعرت بأن شيئًا ثقيلًا يجثم فوق صدري.
وصلت إلى سيارتي.
فتحت الباب.
وجلست خلف المقود.
وعندها...
انهرت.
بكيت.
لم يكن بكاءً هادئًا أو متماسكًا.
ولم يكن بكاء رجل يحاول الحفاظ على ما تبقى من كبريائه.
بكيت وأنا منحنٍ فوق المقود.
بكيت حتى شعرت أن أنفاسي تتقطع.
وضربت المقود بيدي مرات عديدة وكأنني أحاول تحطيم السنوات التي أضعتها بقراراتي.
بكيت من أجل مريم.
لكنني بكيت أكثر من أجل نفسي.
بكيت على الرجل الذي أصبحت عليه.
على الحياة التي استبدلتها بحياة أخرى مليئة بالمكاتب الفاخرة والعشاءات الباردة والوجوه
متابعة القراءة