كان زوجي يتقاضى أكثر من 200 ألف دولار سنويًا
متسلطة.
وأضافت أن الزوجة لا يحق لها مراقبة ما يفعله زوجها براتبه.
فسألتها المحامية
هل كنتِ تعلمين أن مريم هي من كانت تدفع إيجار المنزل وقسط السيارة والتأمين بينما كان ابنك يحول معظم دخله إليك؟
لم تجب.
وبعد لحظات قالت
كانت تتقاضى راتبًا جيدًا، وكانت قادرة على الإنفاق عليه.
قبل سنوات كانت هذه العبارة كفيلة بإشعالي غضبًا.
أما في ذلك اليوم فقد منحتني وضوحًا كاملًا.
بالنسبة لهم لم يكن تعبي تضحية.
بل كان أمرًا متاحًا لهم استغلاله متى أرادوا.
وأدلت سارة بشهادتها أيضًا.
وقدمت الرسائل التي كان أحمد يعدها فيها ببداية جديدة بأموال ليست أمواله أصلًا.
لم تفعل ذلك من أجلي.
بل لأنها أدركت أنها هي الأخرى كانت جزءًا من خطة قد تنتهي بتحطيم حياتها.
فقد توقف أحمد عن مناداتها بالكلمات الجميلة بمجرد أن اكتشف أنها لم تعد مفيدة له.
وعندها تأكد لي أمر واحد.
أحمد لم يكن يبحث عن زوجة أو شريكة حياة.
كان يبحث عن امرأة تدفع عنه الفواتير، وأخرى يبيع لها الأحلام.
أُعيدت السيارة.
وتم إخلاء الشقة.
وأُلغيت البطاقات المصرفية.
كما جرى تصحيح سجلي المالي وإزالة أي معاملات أو طلبات لم أوافق عليها.
واضطر أحمد إلى توقيع اتفاق يُقر فيه بمسؤوليته عن المصروفات غير المصرح بها والمستندات المزورة، إلى جانب خضوعه لتحقيق رسمي.
لم أسترد كل
ومن المهم أن أقول ذلك.
فهناك أنواع من الاستغلال المالي تختبئ بسهولة خلف كلمة زواج.
لكنني استعدت ما كان الأهم.
استعدت اسمي.
وحسابي المصرفي.
وحقي في ألا أمول حياة أشخاص كانوا يحتقرونني بينما يعيشون من راتبي.
انتهت الأشهر الثمانية التي قضيتها في إسطنبول، فعرضت عليّ الشركة تمديد العقد لعام إضافي.
في الماضي كنت سأتصل بأحمد لأسأله عن رأيه، وكأن حياتي تحتاج إلى إذن من أحد.
أما هذه المرة فقد وقّعت العقد وحدي.
استأجرت شقة صغيرة تطل على شارع تصطف على جانبيه الأشجار.
اشتريت قدرًا للطهي.
وصحنين.
وبطانية سميكة.
لم يكن شيء من ذلك فاخرًا.
لكنه كان ملكي أنا.
وعندما استلمت أول راتب بعد ذلك، لم أحول المال إلى أي شخص.
دفعت مصاريفي.
وادخرت جزءًا من راتبي.
ثم اشتريت طبقًا من الحساء الساخن وجلست قرب النافذة أتناوله ببطء.
وبكيت.
ليس حزنًا.
بل لأنني للمرة الأولى منذ سنوات كنت أنفق على نفسي دون شعور بالذنب.
بعد عدة أشهر حاول أحمد التواصل معي مجددًا.
لم يعد يرتدي البدلات الفاخرة.
ولم يعد يتحدث بثقة المدير المالي.
فقد خسر جزءًا كبيرًا من مكانته الوظيفية أثناء التحقيقات المتعلقة بتصرفاته المالية.
أرسل إليّ رسالة طويلة.
قال إنه بدأ العلاج النفسي.
وأنه أصبح يدرك أخطاءه.
وأن والدته كانت تؤثر عليه منذ صغره.
ربما كان
لكن ذلك لا يبرر تزوير توقيعي.
ولا شراء الهدايا بأموالي.
ولا تركي أواجه الحياة بدولار واحد وأربعين سنتًا.
أرسلت ردًا واحدًا فقط.
أتمنى لك التوفيق في إصلاح حياتك، لكن بعيدًا عني.
أما والدتي، التي كانت في البداية تعتقد أنني كنت قاسية بعض الشيء، فقد فهمت الحقيقة يوم رأت كشوف الحسابات المطبوعة أمامها.
وضعتها على الطاولة.
وأخذت تتأمل الأرقام طويلًا.
ثم قالت
لقد كانوا يستنزفونك يا ابنتي.
اكتفيت بهز رأسي.
لم نبكِ كثيرًا.
فقد بكيت بما يكفي خلال سنوات طويلة.
جلسنا نشرب القهوة العراقية ونتحدث عن أمور عادية.
عن العائلة.
وعن العمل.
وعن الأيام القادمة.
وكان ذلك جزءًا من شفائي أيضًا.
أن أجلس في حديث هادئ لا يطلب مني أحد في نهايته مالًا أو تضحية جديدة.
بعد عام كامل، وقّعت حكم الطلاق النهائي عبر جلسة قانونية مرئية، ثم استكملت الإجراءات من خلال المستندات التي وصلتني رسميًا.
ظهر أحمد على الشاشة مطأطئ الرأس.
أما أنا فكنت في مكتبي بإسطنبول، أرتدي بلوزة زرقاء وقد ربطت شعري إلى الخلف.
أرسلت لي المحامية هناء رسالة قصيرة
بقي القليل فقط.
وقّعت الأوراق دون أن ترتجف يدي.
وعندما انتهى كل شيء، لم أشعر بالفرح كما توقعت.
بل شعرت بالاتساع.
وكأن غرفة كاملة أُفرغت من صدري أخيرًا.
عدت إلى العراق بعد ذلك بفترة
مررت ببغداد، وبعت بعض الأثاث الذي كان لا يزال محفوظًا في أحد المخازن، ثم أغلقت الحساب المصرفي المشترك الذي رأيت فيه يومًا ذلك الرصيد المهين.
دولارًا واحدًا وأربعين سنتًا.
وقبل إغلاق الحساب طلبت كشفه النهائي واحتفظت به.
ليس بدافع الانتقام.
بل كتذكير.
واحتفظت أيضًا بصورة إيصال العقد الذي اشتراه لسارة.
وصورة الرسالة التي كتب فيها لوالدته
حتى لا ينقصك شيء يا تاج الرأس.
لفترة طويلة كنت أظن أن تلك العبارة تخص والدته وحدها.
لكنني أدركت لاحقًا أنها كانت تلخص زواجي كله.
فقد كان يعد الجميع بألا ينقصهم شيء.
إلا المرأة التي كانت تحمل كل الأعباء وحدها.
اليوم ما زلت أعمل بجد.
لكنني لم أعد أعمل لسد عجز الآخرين.
أساعد عائلتي عندما أريد، وبالقدر الذي أستطيع، وبما لا يضرني.
بعض الناس يقولون إنني أصبحت أكثر قسوة.
أما أنا فأقول إنني أصبحت أكثر وعيًا بحقوقي.
وهناك فرق كبير بين الأمرين.
فالمرأة لا تصبح سيئة لأنها ألغت البطاقات المصرفية.
ولا لأنها غيّرت الفواتير.
ولا لأنها استقلت طائرة لتنقذ نفسها.
أحيانًا تكون تلك هي المرة الأولى التي تتحمل فيها مسؤوليتها تجاه نفسها.
كان أحمد يحقق دخلًا ضخمًا، ومع ذلك تركني يومًا عاجزة عن شراء وجبة بسيطة.
أما إسطنبول فلم تمنحني فرصة عمل فقط.
بل منحتني المسافة
المحبة لا ينبغي أن تتركك مرهقة، ومثقلة بالديون، ومطالبة بدفع ثمن تيجان الآخرين.