جوزي حط لابني يوسف طبق الفراخ قدامه
إنه بقى يبعد عن يوسف أوقات من غير سبب.
وافتكرت النظرات اللي كنت بشوفها وأقنع نفسي إنها مجرد ضغط شغل أو تعب أو مشاكل عادية.
لكنها مكانتش عادية.
ولا عمرها كانت عادية.
المحامي بصلي وقال بصوت هادي
في الأول كان شايفه ابنه.
وسكت ثانية.
ثم أكمل
وبعدين بدأ يشوفه سبب خسارته.
الجملة دي وجعتني أكتر من أي حاجة سمعتها طول اليوم.
لأنها كانت الحقيقة كلها في سطر واحد.
الراجل اللي شال يوسف على كتفه.
والراجل اللي أخده المدرسة بإيده.
والراجل اللي فضل سنين يسمع منه كلمة بابا.
نسي كل ده.
أو على الأقل سمح للطمع إنه يغطي عليه.
رجعت المستشفى بعدها وأنا مش حاسة بالطريق.
كل خطوة كانت تقيلة.
وكل ذكرى كانت بتمر قدام عيني زي شريط طويل ملوش نهاية.
وأول ما دخلت أوضة يوسف لقيته صاحي.
كان لسه مرهق.
ولسه شاحب.
لكن أول ما شافني ابتسم الابتسامة الصغيرة اللي طول عمرها كانت بتفكك كل وجعي.
وقال
ماما.
كلمة واحدة بس.
لكنها كانت كفاية تخليني أبكي.
قعدت جنبه.
ومسكت إيده.
وبصيت لوشه.
وفضلت أتأمله لدقايق طويلة.
وفي اللحظة دي افتكرت إن الراجل
وساعتها فهمت إن أخطر حاجة ممكن تحصل للإنسان مش إنه يكره.
لكن إنه يسمح للطمع يدخل قلبه.
لأن الكراهية أحيانًا بتكون لحظة غضب.
أما الطمع فبيشتغل في هدوء.
بياكل صاحبه حتة حتة.
ويغيره حتة حتة.
لحد ما في يوم يبقى شخص تاني خالص من غير ما يحس.
وبعد شهور بدأت المحاكمة.
والأدلة كانت واضحة بشكل مفيهوش مجال للهرب.
تقارير السم.
والمكالمات.
والرسائل.
وشهادة الست اللي كانت معاه.
والتفاصيل اللي جمعتها التحقيقات خلال الشهور اللي فاتت.
وواحدة واحدة الحقيقة كلها خرجت للنور.
وأحمد كان قاعد جوه القفص طول الجلسة كلها ساكت بشكل غريب، ساكت لدرجة إن وجوده نفسه كان شبه عدمه، لا بيتكلم ولا بيحاول يبرر اللي عمله ولا حتى بيرفع عينه ناحية أي حد، وكأنه استسلم أخيرًا لكل حاجة حصلت وبقى عارف إن مفيش كلمة في الدنيا كلها تقدر تمسح اللي عمله أو ترجع الزمن لورا دقيقة واحدة بس.
ولما القاضي نطق بالحكم النهائي وساد
يوسف كان واقف جنبي وقتها، ماسك إيدي الصغيرة بإيده الأضعف منها، ولسه ميعرفش تفاصيل كتير من اللي حصل ولا فاهم حجم الكارثة اللي مرينا بيها، لأنه في النهاية كان مجرد طفل اتسحب وسط حرب أكبر منه بكتير، حرب هو أصلًا مكنش طرف فيها.
بص ناحية أحمد من بعيد.
فضل يبصله ثواني.
وبعدين رفع إيده الصغيرة.
وقال بصوته البريء اللي عمره ما عرف الكره
بابا.
الكلمة خرجت منه ببساطة شديدة، لكن تأثيرها كان أقوى من أي حكم وأقسى من أي عقوبة.
وفي اللحظة دي رفع أحمد عينه لأول مرة من بداية الجلسة كلها.
رفعها ببطء.
وبص على يوسف.
وفضل باصص له ثواني طويلة بشكل خلى القاعة كلها وكأنها اختفت فجأة، وكأن مفيش حد موجود غير راجل خسر عمره كله وطفل لسه شايفه أبوه رغم كل حاجة.
ومحدش اتكلم.
ومحدش اتحرك.
لكن في الثواني القليلة دي كان واضح إن أحمد شاف قدامه كل حاجة ضيعها بإيده.
شاف أول مرة شاله فيها وهو رضيع.
وشاف أول يوم مدرسة.
وشاف الليالي اللي فضل صاحي فيها جنبه وهو تعبان.
وشاف الضحكات والصور والذكريات والسنين
لكن بعض الخسارات لما بتحصل مبتسيبش فرصة للتراجع.
وبعض الأبواب لما بتتقفل مبتتفتحش تاني مهما حاول الإنسان.
وأحمد كان وصل للنقطة دي بالفعل.
النقطة اللي اكتشف فيها إن الإنسان ممكن يخسر فلوس ويرجع يعوضها.
وممكن يخسر بيت ويبني غيره.
وممكن يخسر شغل ويبدأ من جديد.
لكن فيه حاجات لو ضاعت مبتترجعش أبدًا.
خسر ابنه اللي رباه بإيده عشر سنين كاملة.
وخسر بيته.
وخسر اسمه.
وخسر حريته.
وقبل كل ده خسر نفسه.
أما يوسف فخرج من الحكاية كلها وهو لسه محتفظ بأغلى حاجة ممكن يمتلكها أي إنسان، حاجة أكبر من أي ميراث وأكبر من أي حسابات وأرقام وأراضي وشركات.
خرج منها بقلب نضيف.
قلب طفل لسه قادر يقول بابا للشخص اللي أذاه من غير ما يعرف حجم الشر اللي كان حواليه.
وساعتها وأنا ماسكة إيده وبمشي بيه خارج المحكمة، فهمت إن ربنا ممكن يختبر الإنسان بالحزن، ويختبره بالفقد، ويختبره بالمال، لكن الاختبار الأصعب دايمًا بيكون لما يحط قدامه فرصة ياخد حاجة مش من حقه ويشوف هيختار إيه.
في ناس بتنتصر على نفسها.
وفي ناس بتستسلم.
وفي ناس بتبيع عمر كامل
وأحمد كان واحد من الناس اللي خسروا كل حاجة في اللحظة اللي صدقوا فيها إن الفلوس أغلى من البشر، واكتشفوا متأخر جدًا إن الثروة الحقيقية عمرها ما كانت في الميراث، لكنها كانت في الطفل اللي كان واقف قدامه بيناديه بابا للمرة الأخيرة.