لولا إن بنتي شدتني من إيدي حكايات صابرين محمد

لمحة نيوز

قالت بهدوء:

"أنا آسفة إني خوفتك."

فضلت ساكتة.

مدت إيدي بكارنيه صغير.

"أنا الأستاذة نادية... المحامية المكلفة بالتنسيق القانوني مع الشاهد."

وساعتها بس فهمت إنها مكنتش بتهرب مني... كانت بتهرب بالمهمة اللي متكلفة بيها.

دخلت بعد ما استأذنت، وقعدت قدامي، وبعد لحظات من الصمت قالت:

"أعتقد إن من حقك تعرفي الحقيقة دلوقتي."

هززت راسي من غير ما أتكلم.

فتحت الملف اللي معاها، وأخرجت صورة مطبوعة من كاميرات المطار.

كان جوزي ظاهر فيها بوضوح.

لابس نفس القميص اللي ودعني بيه.

وشايل حقيبة ظهر سوداء.

قالت وهي بتحط الصورة قدامي:

"السفر كان حقيقي يا أستاذة ريم. زوج حضرتك خرج من المطار بالفعل، وسافر في المهمة اللي كنا مكلفينه بيها، وكل الصور اللي كان بيبعتهالك كانت من الأماكن اللي كان موجود فيها فعلًا."

بصيت للصورة، وبعدين سألتها بصوت مبحوح:

"أمال الشنطة اللي لقيتها؟"

ابتسمت ابتسامة خفيفة، وقالت:

"دي مكنتش شنطة السفر أصلًا... دي كانت شنطة الأدلة."

استغربت.

فكملت:

"كل النسخ الاحتياطية للمستندات كانت فيها. ولو خرج بيها من البلد أو حتى اتحرك بيها كتير، كان ممكن تتعرض للسرقة أو التفتيش، وساعتها القضية

كلها كانت تضيع. علشان كده كان لازم تفضل في مكان محدش يتوقعه."

قلت وأنا لسه مش مستوعبة:

"وليه خزانة في نادي؟"

قالت:

"لأن أبسط الأماكن ساعات بتكون أكترها أمانًا. الخزانة كانت مستأجرة باسم قانوني من شهور، وأنا كنت بروح كل كام يوم أتأكد إن كل حاجة لسه مكانها. ولما شفتك فتحتيها، خفت أتكلم... لأن التحقيق وقتها مكنش انتهى."

افتكرت إنها أول ما عرفت إن الشنطة بتاعة جوزي جريت من قدامي.

سألتها:

"ليه هربتي بالشكل ده؟"

تنهدت وقالت:

"لأن أي كلمة زيادة كانت ممكن تفسد شهور من الشغل. لو حد كان بيراقب المكان، أو لاحظ إننا بنتكلم، كان هيبدأ يدور ورا السبب. وكمان كان لازم ابلغ بسرعة"

فضلت ساكتة.

لكن كان لسه سؤال واحد واقف في نص دماغي.

قلت:

"وبنتي؟"

ابتسمت لأول مرة.

وقالت:

"هي ماشافتش بابا."

بصيت لها باستغراب.

قالت:

"قبل ما تدخلي أوضة تغيير الملابس بدقائق، كان فيه موظف صيانة طويل القامة، لابس جاكيت كحلي قريب جدًا من لون جاكيت جوزك، وكان واقف قدام الخزانة. أول ما مشي، دخلت أنا وقفلت الباب بسرعة. عقلها الصغير جمع المشهدين في لحظة، وافتكر إن باباها دخل الخزانة واتحبس جواها."

سكتت.

وأضافت بابتسامة:

"

الأطفال ساعات بيكملوا القصة بخيالهم."

خرجت المحامية بعد ما سلمتني نسخة من قرار انتهاء مهمة زوجي كشاهد، وقالت قبل ما تمشي:

"التحقيق خلاص قرب ينتهي... وأظن المرة الجاية اللي هتشوفيه فيها، هيرجع من غير أسرار."

بعد تلات أيام، كنت واقفة في المطار، وقلبي بيدق بنفس السرعة اللي كان بيدق بيها يوم ودعته.

أول ما خرج من بوابة الوصول، شاف بنته قبل ما يشوفني.

جريت عليه وهي بتضحك.

انحنى بسرعة، وشالها بين إيديه، وفضل يبوس في وشها كأنه بيعوض كل يوم غاب فيه.

ولما رفع عينه عليّ...

مقدرش يبتسم.

كان باين على وشه إنه عارف إن فيه كلام كتير مستنيه.

رجعنا البيت.

ولأول مرة من سنين، كان الصمت تقيل بينا.

بعد ما بنتنا نامت، خرجنا البلكونة.

الليل كان هادي بشكل غريب.

فضل يبص للأرض شوية، وبعدين قال:

"عرفتي."

مكنتش سؤال.

كان يقين.

قلت بهدوء:

"عرفت الحقيقة... لكن عايزة أعرف ليه استحملت إني أعيش كل ده."

غمض عينه لحظة، وقال:

"لأنهم قالولي إن كل شخص يعرف، بيبقى نقطة ضعف ممكن يوصلوا منها ليا. أقسمت إني أحميكي، لكن وأنا بعيد كل ليلة كنت بحس إني بسيبك لوحدك قدام ألف سؤال، ومش قادر أجاوب على واحد منهم."

سكت، ومسح

دمعة نزلت من غير ما يحس.

"كنت فاكر إني باختار أخف الضررين... واكتشفت متأخر إني اخترت الضرر اللي وجعك إنتِ."

أول مرة أحس إنه مش بيدافع عن نفسه.

ولا بيبرر.

كان بيعترف.

بكل بساطة.

قلت وأنا بصله:

"أنا شكيت فيك."

هز راسه.

وقال بصوت مكسور:

"ولو كنت مكانك... كنت هعمل أكتر من كده."

الكلمة دي هدت حاجة كبيرة جوايا.

لأنه محاولش يرميني باللوم.

ولا قالي إني ظلمته.

ولا طلب مني أثق فيه من غير سبب.

اعترف إن صمته هو اللي فتح باب الشك.

مد إيده ناحيتي، لكنه سحبها قبل ما توصل.

وقال:

"مش هطلب منك تسامحيني دلوقتي... بس هفضل أحاول أصلح اللي انكسر."

بصيت لإيده، ومديت إيدي أنا المرة دي.

وقلت:

"الثقة مش معناها إننا منخبيش عن بعض حاجة أبدًا... لأن ساعات الظروف بتفرض علينا حاجات أكبر مننا. لكن معناها إننا لما العاصفة تعدي، منسيبش اللي بنحبه يجمع الحقيقة من خوفه."

رفع عينه وبصلي، ولأول مرة من يوم سافر، ابتسم الابتسامة اللي كنت عارفاها.

وبعد أسبوع، أُعلن رسميًا انتهاء التحقيق، وإحالة كل المتورطين للمحاكمة، وانتهت مهمة جوزي كشاهد، وعاد لحياته الطبيعية.

أما أنا...

فكل ما أبص للشنطة الجلد اللي لسه

محتفظين بيها فوق الدولاب، أفتكر إنها كانت السبب في أصعب أيام عشناها، لكنها كانت كمان السبب في إننا نفهم درسًا عمره ما هينساه واحد فينا.

مش كل سر بيكون خيانة...

لكن كل صمت طويل، من غير طمأنة، ممكن يحول الحب إلى خوف، والثقة إلى شك.

ومن يومها، اتفقنا على حاجة واحدة...

إن الحياة ممكن تخبي عننا حقائق كتير، لكن عمرها ما تستحق إننا نخسر بعض بسبب أوهام صنعها الصمت.

تم نسخ الرابط