إخواتي فضلوا يضحكوا عليا حكايات صابرين محمد
المحتويات
المكان.
العصاية بتاعة أبويا متسندة جنب الباب.
طاقيته فوق الشماعة.
نظارته فوق الترابيزة الصغيرة اللي كان يقعد عليها كل صباح يشرب الشاي.
لثواني...
حسيت إنه هيطلعلي من أوضته، ويبتسم بنفس ابتسامته الهادية، ويقوللي
اتأخرتي يا بنتي... كنت مستنيكي.
دموعي نزلت غصب عني.
لكن مسحتها بسرعة.
أنا مجتش أبكي...
أنا جيت أعرف الحقيقة.
افتكرت الرسالة، واتجهت ناحية مكتبه بخطوات بطيئة، وكل خطوة كنت باخدها كان قلبي بيدق أسرع من اللي قبلها.
دخلت الأوضة.
كل حاجة كانت في مكانها، كأن الزمن وقف فيها من آخر يوم قعد أبويا هنا.
المكتبة الخشب الكبيرة كانت قدامي، شامخة زي ما هي، رغم السنين اللي عدت عليها.
قربت منها.
حاولت أبص وراها، لكنها كانت لازقة في الحيطة تمامًا، ومفيش أي فراغ يسمح إني أشوف اللي وراها.
افتكرت يمكن الرسالة تقصد درجًا سريًا أو رفًا معينًا.
بدأت أفتش المكتبة كلها.
فتحت الأدراج واحدًا واحدًا.
قلبت الملفات.
رفعت الكتب.
نفضت التراب.
ومرت إيدي على كل رف وكل زاوية، وأنا بدور على أي علامة أو مفتاح أو ورقة تفسر كلام أبويا.
عدى أكتر من نص ساعة، وأنا بدور في كل ركن، وكل مرة أقول لنفسي يمكن فهمت الرسالة غلط.
لحد ما وأنا بسند بإيدي على جنب المكتبة من كتر التعب...
حسيت بحاجة غريبة.
المكتبة اتحركت...
حركة بسيطة جدًا...
لكنها كانت كفاية تخلي قلبي يقف مكانه.
وقفت أبصلها بعدم تصديق.
إزاي اتحركت
أنا فاكرة إنها تقيلة جدًا، وعمرها ما اتحركت من مكانها من سنين.
جمعت كل قوتي، وبدأت أزقها سنتيمتر... ورا سنتيمتر...
وكانت بتتحرك بصعوبة شديدة، كأنها متفتحتش من مكانها من زمن بعيد.
وكل ما كانت بتتحرك، كان نفسي بيتحبس أكتر، وقلبي يدق بعنف لدرجة إني كنت سامعاه جوه وداني.
وفجأة...
ظهر قدامي تجويف صغير معمول جوه الحيطة.
وجواه...
خزنة حديد قديمة، باين عليها إنها متفتحتش من سنين طويلة.
اتجمدت مكاني.
بصيت للخزنة...
وبعدين للورقة...
ورجعت بصيت للأرقام المكتوبة بخط أبويا...
٤٧٢٩.
بلعت ريقي، ومديت صوابعي ناحية قرص الخزنة، وأنا حاسة إن ثانية واحدة بس بقت فاصلة بيني وبين الحقيقة اللي أبويا خبّاها طول عمره.
فضلت إيدي واقفة قدام قرص الخزنة ثواني طويلة، مش خوفًا من اللي ممكن ألاقيه جواها، لكن خوفًا من الحقيقة نفسها.
لأني لأول مرة بدأت أسأل نفسي
هو أنا فعلًا كنت أعرف أبويا؟
ولا كنت أعرف الراجل اللي اختار طول عمره يورينا الجزء اللي هو عايزنا نشوفه بس؟
غمضت عيني، وخدت نفسًا طويلًا، وبدأت ألف الأرقام واحدة واحدة...
أربعة...
سبعة...
اتنين...
تسعة...
وفضل صمت غريب يملأ الأوضة.
وفجأة...
تك...
صوت خفيف جدًا...
لكنه كان كفاية يخلي قلبي ينط من مكانه.
الخزنة اتفتحت.
وقفت مبهوتة لحظات قبل ما أزيح بابها الحديد بالكامل.
مكنتش عارفة هلاقي مستندات؟ اعتراف؟ دليل على السر اللي أبويا خباه؟
جزء
لكن اللي كان جواها فاق كل توقعاتي.
مفتاح نحاسي قديم، أكل الزمن لونه، مربوط بخيط أبيض في ورقة صغيرة، ورسالة كبيرة، وملف جلدي.
وعلى ظهر الرسالة كتب أبويا بخط إيده
متقراهاش إلا بعد ما تمسكي المفتاح.
مديت إيدي للمفتاح.
اتفاجئت إنه أتقل بكتير من شكله، كأنه شايل فوقه عمرًا كاملًا من الأسرار.
نزعت الورقة الصغيرة، ولقيت فيها سطرًا واحدًا
المفتاح ده عمره ما كان مفتاح الخزنة... الخزنة كانت مجرد أمانة علشان توصله للي يستحقه.
رفعت الرسالة الكبيرة، وخدت نفسًا عميقًا، وبدأت أقرأ.
كنت حاسة إن السطور الجاية هتجاوب على كل سؤال لف في دماغي من ساعة ما خرجت من مكتب المحامي.
يا بنتي... لو وصلتي للكلام ده، يبقى إنتِ الوحيدة اللي اختارت تحتفظ بالمزرعة، ومبعتنيش مع الأرض. يمكن إخواتك يفتكروا إني ظلمتهم، ويمكن يلوموني بعد موتي، لكن كان لازم أعرف مين فيكم هيشوف الأرض بعين القلب، ومين هيشوفها بعين الحسابات.
بلعت ريقي وأنا أكمل.
المفتاح اللي في إيدك هيفتح باب مخزن حجري قديم ورا الإسطبل. المكان ده محدش يعرفه غيري، حتى العمال اللي اشتغلوا في المزرعة سنين طويلة عمرهم ما دخلوه. ولو وصلتي له، هتفهمي ليه فضلت أرفض كل عروض البيع، رغم إنها كانت كفيلة تغيّر حياتنا كلنا.
أغلقت الرسالة للحظة، وأنا أحاول أستوعب اللي قرأته.
إذن...
أبويا مكانش متعلق بالأرض
كان بيحمي سرًا أكبر منها.
وضعت الرسالة في جيبي، وأمسكت المفتاح، واتجهت ناحية الإسطبل.
كانت الشمس خلاص بتودع النهار، والهواء ساكن بشكل غريب، كأن المزرعة كلها بتحبس أنفاسها معايا.
لفيت حوالين الإسطبل أكتر من مرة، لحد ما لمح بصري بابًا حجريًا صغيرًا، مخفيًا وسط الحشائش اليابسة والشجيرات، ولو الواحد ميعرفش مكانه يستحيل يلاحظه.
أدخلت المفتاح في القفل.
لفّيته.
فصدر صوت احتكاك خافت، وانفرج الباب ببطء، ناشرًا رائحة مكان مقفول من عشرات السنين.
اللي شفته جوا خلاني أتجمد.
مكانش مخزن أدوات...
ولا أوضة مهجورة.
كان مكتبًا صغيرًا، مرتبًا بعناية، وفي منتصفه صندوق حديدي، وفوقه ورقة كتب عليها أبويا
اللي وصل لهنا... عرف إن الحب عمره ما كان بيتقاس بالفلوس.
فتحت الصندوق.
كان بداخله رسالة جديدة، ومعها ملف أزرق مختوم.
بدأت بالرسالة.
يا بنتي... الشركات الكبيرة فضلت سنين تعرض عليَّ أشتري المزرعة بمبالغ عمري ما كنت أحلم بيها. وفي الآخر وافقت أوقع معاهم عرض شراء موثق، لكن بشرط كتبته بإيدي... إن العرض كله يسقط لو الوريث اللي هتؤول إليه المزرعة بعد وفاتي رفض البيع. محدش دفع جنيه، ومحدش يقدر ياخد الأرض إلا بموافقة صاحب القرار الجديد.
اتنفست براحة.
وقتها فهمت إن الفلوس اللي أبويا اتبرع بيها للأعمال الخيرية كانت من مدخراته واستثماراته اللي جمعها على مدار عمره، أما المزرعة نفسها
فتحت الملف الأزرق.
كان بداخله نسخة من عرض الشراء
متابعة القراءة