جوزي كل ليلة أول ما الساعة تدق 3 الفجر بقلم صابرين محمد
وليه انتهت حياته في آخر ممر محدش كان يعرف أصلًا إنه موجود؟
جوزي فضل واقف ثواني وهو باصص للرفات وبعدها أخد نفسًا طويلًا وقال بحسم وكأنه حسم صراع كان شغال جواه من أول يوم نزل فيه المكان
إحنا هنطلع ومحدش هيلمس أي حاجة.
هز زميله رأسه موافقًا وقال ده الصح أول ما الجهات المختصة تبدأ شغلها الصبح هنبلغ فورًا. أي تصرف دلوقتي ممكن يضيع دليل مهم أو يعرض المكان للانهيار.
بصيت لجوزي باستغراب وسألته يعني كنت عارف إن ممكن يكون فيه حاجة بالشكل ده؟
رد وهو بيطفي الكشاف لا كنت شاكك إن فيه ممرات تاريخية أو آثار قديمة، لكن أول ما ظهرت العظام عرفت إن الموضوع خرج من إيدينا خلاص.
طلعنا من النفق في هدوء وكل واحد فينا كان غارق في أفكاره.
وقبل ما نقفل الفتحة، رجع جوزي بص عليها للمرة الأخيرة واتأكد إن كل حاجة رجعت زي ما كانت، لأنه كان خايف حد ينزل قبل وصول المختصين، أو يحاول يسرق أي حاجة من المكان.
رجعنا البيت.
لكن الليلة دي ماعرفناش يعني إيه نوم. كنت كل شوية أبص في الساعة وأفتكر المنظر اللي شوفته تحت الأرض وأسمع في ودني
أول ما النهار طلع، خرج جوزي ومعاه زميله وبعد ساعات قليلة بدأت عربيات الجهات المختصة توصل واحدة ورا التانية.
في وقت قصير، بقى البيت كله مليان حركة.
مهندسون وأثريون وفنيون وأفراد من جهات التحقيق.
وكل واحد داخل ومعاه أجهزة مختلفة، منهم اللي بيقيس استقرار التربة ومنهم اللي بيفحص الممرات ومنهم اللي بيصور كل تفصيلة قبل ما حد يقرب منها.
عرفت وقتها ليه جوزي رفض يلمس أي حاجة.
لأن أي خطوة غلط كانت ممكن تضيع دليل فضل محفوظ تحت الأرض أكتر من خمسين سنة.
قعدوا ساعات طويلة جوه النفق.
ولما بدأوا يطلعوا، كانت معاهم صناديق حفظ خاصة وأكياس مخصصة لنقل الرفات والأدلة وكل واحد خارج من تحت الأرض كان وشه عليه نفس التعب ونفس الدهشة.
بعد يوم واحد، الخبر بقى حديث المنطقة كلها.
الناس اتجمعت قدام البيت. كل واحد بيحكي رواية مختلفة. فيه اللي قال إنهم لقوا كنز. وفيه اللي قال مدينة كاملة.
وفيه اللي حلف إنه شاف تماثيل. لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
اللي
كان حكاية إنسانة انتهت قبل ما حد يعرف نهايتها.
بدأت التحقيقات واستمرت أيام.
وكان جوزي بيتستدعى كل يوم عشان يحكي بالتفصيل إزاي اكتشف الشرخ وإمتى نزل أول مرة وليه استمر ينزل كل ليلة وإزاي وصل للمكان.
ولما كنت أسأله كل مسا عرفوا مين؟
كان يهز رأسه ويقول لسه التحاليل لسه شغالة.
مر أسبوع كامل وأنا شايفة الإرهاق بيزيد على وشه، لكن في صباح هادئ، دخل البيت لأول مرة وهو بيبتسم.
ابتسامته ماكانتش ابتسامة فرح. كانت ابتسامة إنسان أخيرًا ارتاح ضميره.
جريت عليه وقلت بسرعة عرفوا؟
قعد على الكرسي وسكت لحظة، ثم قال بهدوء أيوه عرفوا.
حبست نفسي وأنا مستنية يكمل.
قال عرفوا صاحبة الرفات.
سألته بسرعة إزاي؟
رد في إيدها كان فيه خاتم زواج منقوش عليه أول حرفين من اسمها واسم جوزها ومعاه سلسلة فضة قديمة وده خلاهم يرجعوا لمحاضر الاختفاء القديمة. وبعد مراجعة السجلات وتحليل الحمض النووي مع أحد أحفاد إخواتها، اتأكدوا إن الرفات فعلًا لعروسة اختفت من أكتر من خمسين سنة.
اتسعت عيني وأنا بحاول أستوعب كلامه.
سألته طب وصلت هناك إزاي؟
تنهد وقال المهندسبن اكتشفوا إن ليلة اختفائها حصل هبوط أرضي مفاجئ، فسقطت داخل تجويف كان متصل بشبكة الأنفاق القديمة وبعدها حصل انهيار تاني قفل الممر بالكامل، فاختفت من غير ما يسيب الحادث أي أثر فوق سطح الأرض وعشان كده فضلت مفقودة كل السنين دي.
سكت وأنا كمان سكت. خمسين سنة كاملة
أسرة عاشت عمرها كله وهي مستنية بنتها ترجع، أو حتى تعرف هي راحت فين.
وخمسين سنة كان فيها السر كله مدفون تحت بيتنا.
بعد أيام قليلة اتسلمت الرفات إلى أهلها واتدفنت في جنازة هادية حضرها أحفاد وأقارب ماكانوش يتخيلوا إنهم هيعرفوا الحقيقة بعد كل العمر ده.
أما البيت فما بقاش بالنسبة لي مجرد بيت قديم بقى شاهد على سر عاش نص قرن تحت الأرض.
وبعد أسابيع أعلنت الجهات المختصة إن أعمال المسح كشفت عن ممرات وأنفاق تانية لسه مقفولة بالكامل وإن عمليات الدراسة هتستمر لفترة طويلة.
ومن يومها كل ما الساعة تقرب من تلاتة الفجر وأعدي جنب باب البدروم أبص له من غير ما أحس وأفتكر إن تحت رجلي لسه فيه طرق محدش مشي فيها من عشرات السنين
وأسرار
ويمكن اللي اكتشفناه ماكانش إلا أول سر من أسرار كتير ما زالت مستخبية تحت الإسكندرية.
تمت
بقلم صابرين محمد