كل ليلة كنت بصحى على صريخ ابني الجزء الثاني حكايات صابرين محمد
لماذا يهرب إن كان بريئًا؟
في صباح اليوم التالي، كانت حالة يوسف قد بدأت تستقر قليلًا.
دخلت غرفته، فوجدته نائمًا تحت تأثير المسكنات.
اقتربت منه وأمسكت يده السليمة.
همست بصوت مكسور
أنا آسف يا يوسف والله لو أقدر آخد مكانك هعمل كده.
فتح عينيه بصعوبة.
ابتسم ابتسامة صغيرة رغم تعبه وقال
أنا كنت عارف إنك هتصدقني في الآخر.
لم أتمالك نفسي انفجرت في البكاء.
بعد ساعات، اتصل ضابط التحقيق.
قال إنهم عثروا على الطبيب في شقة يختبئ بها خارج المدينة.
في البداية أنكر كل شيء لكن بعد مواجهة نتائج التحاليل وآثار المواد العضوية التي وُجدت داخل الجبيرة، انهارت مقاومته.
واعترف. قال إنه تلقى مبلغًا كبيرًا من المال مقابل تنفيذ خطة لن تثير
بعد تخدير يوسف أثناء تركيب الجبيرة وضع بين طبقات الحشو بقايا عضوية متعفنة جذبت اليرقات والحشرات، ثم أغلق الجبيرة بإحكام وهو يعلم أن الالتهاب سيزداد تدريجيًا وأن الجميع سيظنون أن الطفل يبالغ في شكواه بسبب تاريخه مع ادعاء المرض.
وعندما سأله الضابط مين اللي دفعلك؟
أطرق برأسه طويلًا
ثم نطق بالاسم الذي حطم ما تبقى بداخلي.
اسم زوجتي.
لم أصدق رفضت أن أصدق. قلت للضابط إن هناك خطأ.
لكن الأدلة كانت أقوى من إنكاري.
سجلات التحويلات المالية.
مكالمات بينهما قبل الحادث وبعده ورسائل محذوفة نجح خبراء التقنية في استعادتها.
تم القبض عليها في مساء اليوم نفسه.
طلبت مقابلتها. دخلت غرفة التحقيق وأنا لا أعرف هل سأصرخ أم سأبكي.
كانت
نظرت إليها طويلًا ثم سألتها ليه؟
لم تجب. كررت السؤال بصوت أعلى يوسف عملك إيه؟
أغمضت عينيها للحظات، ثم قالت ببرود
طول عمره كان بينا.
حدقت فيها غير مستوعب.
فأكملت من يوم ما اتجوزتك وهو بيفكرني بمراتك اللي ماتت وهو علطول واخدك مني. كل اهتمامك ليه. كل حياتك حواليه. كنت عارفة إنك عمرك ما هتسيبه.
صرخت فيها
ده طفل!
قالت وهي تبكي لأول مرة كنت فاكرة إنها هتبان مضاعفات عادية محدش هيشك.
وقفتُ مكاني مذهولًا.
لم أعُد أرى أمامي زوجةً ائتمنتها على ابني ولا امرأةً ظننتُ أنها ستكون له أمًّا بعد رحيل أمه بل إنسانةً اختارت أن تقتل طفلًا ببطء.
خرجت من الغرفة دون أن أنظر إليها مرة أخرى.
استمرت
احتاج إلى تنظيف متكرر للجروح ومضادات حيوية قوية وجلسات علاج حتى يستعيد حركة ذراعه.
وكان أصعب ما في الأمر أنه كلما رآني، كنت أرى في عينيه تلك الليالي التي ظل فيها يصرخ وأنا أطلب منه أن يتحمل.
كنت أعيش ندمي كل يوم.
أجلس بجواره في المستشفى وأقرأ له القصص وأساعده في طعامه وأبقى مستيقظًا إذا خاف، كما كان يفعل من أجلي حين كنت أظن أنه يكذب.
وذات مساء، بينما كنا عائدين إلى المنزل بعد انتهاء علاجه، أمسك يدي وقال يا بابا
نظرت إليه.
قال بابتسامة هادئة أنا مسامحك.
توقفت السيارة على جانب الطريق. لم أستطع القيادة. احتضنته بقوة وأنا أحمد الله أن منحني فرصة ثانية لم أكن أستحقها.
ومنذ ذلك اليوم تعلمت درسًا لن أنساه ما
فأحيانًا تكون الصرخة التي نظنها كذبة هي الحقيقة الوحيدة التي كان يجب أن نصدقها. صابرين محمد