رجعت من السفر حكايات صابرين

لمحة نيوز

رجعت من السفر وأنا متحمسة أشوف ابني لكن أول جملة قالها وهو بيجري عليّ خلتني أقف متصنمة في مكاني 

يا ماما بالله عليكي ، ما تفتحيش أوضتي.

وقتها افتكرت إنه خبّى لعبة ، أو كسر حاجة لكن بعد دقائق ، اكتشفت إن اللي كان مستخبي جوه الأوضة كان أسوأ بكتير مما تخيلت.

اتصنمت في مكاني.

أول واحدة شفتها كانت أختي مريم.

كانت قاعدة على ركبها جنب سرير يوسف، وحاطة إيدها على بقها، كأنها اتفاجئت إنها اتكشفت.

أما الشخص التاني...

فكان راجل ما شفتوش من تمن سنين.

أبويا.

كان شكله كبر أوي.

شعره الأسود بقى كله تقريبًا أبيض، وكتافه بقت أرفع من اللي فاكراها تحت عبايته البنية.

كان فيه كرتونة مفتوحة عند رجليه.

وبجانبها، كانت مريم مزقزحة صندوق ألعاب يوسف بعيد عن الحيطة.

وده كان مصدر الصوت اللي سمعته.

همست وأنا مش مصدقة:

"بابا؟"

وقف ببطء،

وبصلي.

"إنجي."

أول ما سمعت اسمي من صوته، قلبي اتقبض.

زمان كان بيناديني بنفس الطريقة... كل مرة قبل ما يعتذر عن وعد كسره.

قلتله بحدة:

"إنت بتعمل إيه هنا؟"

مريم قامت بسرعة وقالت:

"استني بس قبل ما تزعلي... خليني أشرحلك."

بصيتلها بغضب.

"إنتوا اللي قلتوا ليوسف ما يدخلش حد؟"

هزت راسها.

"لأ... بابا هو اللي قاله."

أبويا نزل عينه في الأرض، والندم باين على وشه.

قال بهدوء:

"كنت فاكر إننا هنمشي قبل ما ترجعي."

في اللحظة دي، يوسف استخبى ورا ضهري، وحضني من وسطي.

وقال بتوتر:

"أنا ما قولتلهاش... هي رجعت بدري."

لفيت عليه وربت على شعره.

"إنت ما عملتش أي حاجة غلط يا حبيبي."

وبعدين بصيت لمريم.

"ليه مستخبيين في أوضة ابني؟"

بصت ناحية الكرتونة المفتوحة وقالت:

"كنا بندور على حاجة."

حدقت فيها بعدم استيعاب.

"

دخلتي أبويا بيتي من غير ما تقوليلي... وكمان بتقلبوا في أوضة يوسف؟"

ردت بسرعة:

"إحنا ما كناش بندور في حاجته... كنا بندور ورا صندوق الألعاب."

قلت بحدة:

"على إيه؟"

ساعتها أبويا انحنى، وشال قطعة خشب صغيرة كانت مفكوكة من الحيطة.

كان وراها تجويف ضيق.

طلع منه علبة معدن صغيرة ملفوفة في فوطة مطبخ قديمة.

أول ما شفتها...

عرفتها.

كانت علبة الوصفات بتاعة أمي.

منظرها خلاني أنسى السؤال اللي كنت هسأله.

أمي ماتت وأنا عندي تسعتاشر سنة.

كانت تعبانة بقالها شهور، لكن قبل وفاتها بفترة، أبويا اختفى، وقال إنه مش قادر يشوف حالتها وهي بتسوء.

أنا ومريم فضلنا جنبها.

كنا بنتناوب نأكلها، ونسرحلها شعرها، ونقعد جنبها لما الوجع يبقى فوق احتمالها.

بعد الدفنة...

أبويا اتصل مرتين، وبعدها اختفى.

وأنا فضلت سنين أقنع نفسي إن غيابه ما بقاش يفرق

معايا.

بصيت للعلبة وسألت:

"إيه اللي جابها هنا؟"

أبويا كان ماسكها بحذر شديد.

كررت السؤال وأنا بصوت أعلى:

"إيه اللي جابها هنا؟"

مريم بصت للفتحة اللي ورا صندوق الألعاب وقالت:

"بابا قال إن ماما هي اللي خبتها هنا قبل ما تشتري البيت."

بصيت لأبويا في عينه.

"يعني إنت كنت عارف مكانها طول السنين دي كلها؟"

لكن اللي ما كنتش فاهماه...

هو ليه واقفين في أوضة يوسف، بيدوروا على حاجة أمي خبتها من حوالي عشرين سنة؟

أبويا فتح العلبة.

وما كانش جواها وصفات أكل.

كان فيها رسايل.

رسايل كتير.

كل واحدة عليها تاريخ.

وكلها مكتوبة يا ليا... يا لمريم.

رجليا خانتني.

همست:

"إيه ده؟"

بلع ريقه وقال:

"أمك كتبتهم في آخر شهور من عمرها."

لفيت لمريم.

"إنت كنتي عارفة؟"

هزت راسها.

"إزاي؟"

قالت بهدوء:

"بابا هو اللي

كلمني."

ضحكت ضحكة كلها مرارة.

"طبعًا... أكيد."

قال أبويا بصوت واطي:

"إنجي..."

قاطعته فورًا.

"لأ... ما تنادينيش باسمي بالطريقة دي. إنت سبت ماما... وسبتنا إحنا كمان."

قال وهو منزل راسه:

"عارف."

صرخت فيه:

"ما حضرتش جنازتها."

وسكت شوية، لكن أنا كملت.

"ما حضرتش فرح مريم... ولا يوم اتولد يوسف... اختفيت سنين، ودلوقتي داخل بيتي وبتكسر الحيطان كأن من حقك."

سكت لحظة.

تم نسخ الرابط