رجعت من السفر حكايات صابرين

لمحة نيوز

وبعدين قلت:

"قوللي... رجعت ليه؟"

بص للعلبة اللي في إيده وقال:

"لأن أمك خلتني أوعدها إني أسلمكم الرسايل دي... لما ييجي الوقت المناسب."

ضحكت بسخرية.

"الوقت المناسب؟! أنا كان عندي تسعتاشر سنة... ومريم كانت عندها تلاتة وعشرين... إحنا كنا محتاجينها وقتها."

قال بصراحة موجعة:

"كنت جبان."

الكلمة كانت أوجع من أي تبرير.

كمل وهو بيبص في الأرض:

"فضلت أقنع نفسي إني بحميكم من وجع أكتر... لكن الحقيقة إني ما كنتش قادر أواجه اللي عملته. وكل سنة كانت بتعدي، الرجوع كان بيبقى أصعب."

مريم قالت بهدوء:

"هو كلمني... لأنه عيان."

بصيتلها بسرعة.

أبويا قعد على طرف سرير يوسف وقال:

"عندي سرطان... وانتشر في جسمي."

حسيت الأوضة كلها بتلف حواليا.

طول السنين دي كنت بتخيل لحظة مقابلته.

مرة كنت بتخيل إني هصرخ فيه.

ومرة إني هقفل الباب في وشه.

لكن عمري ما تخيلته بالشكل ده...

راجل مكسور، كأنه ممكن يختفي في أي لحظة.

سألته بصوت مخنوق:

"بقاله قد إيه؟"

في الوقت ده، يوسف شد حضني أكتر.

بصيتله.

كان باصص لأبويا باستغراب.

وسأل ببراءة:

"هو ده جدو؟"

ولا حد رد.

أبويا بصله بحنية خلت قلبي يوجعني.

وأخيرًا قلت:

"أيوه يا حبيبي... ده جدك."

يوسف فضل يبصله شوية.

وبعدين سأله:

"هو عمل إيه؟"

أبويا أخد نفس طويل وقال:

"لأني عملت غلطة كبيرة جدًا."

يوسف سأله بمنتهى البراءة:

"طيب... قولت آسف؟"

قلت بسرعة:

"يوسف..."

لكن أبويا هز راسه.

"لأ... ما اعتذرتش بالشكل اللي كان لازم أعتذر بيه."

يوسف فكر شوية.

وبعدين سأله:

"طيب... هتقول دلوقتي؟"

رفع أبويا عينه وبصلي.

وقال:

"أنا آسف يا إنجي... مش علشان عيان، ولا علشان خايف أموت لوحدي. أنا آسف لأني سبتك في الوقت اللي كنتِ محتاجة فيه أبوك. السنين دي مستحيل ترجع، لكن كان لازم تسمعي الحقيقة مني أنا."

الغضب كان لسه جوايا.

والوجع كمان.

لكن تحت الاتنين...

كان فيه إحساس غريب بدأ يتسلل لقلبي.

راحة.

طول السنين اللي فاتت، كنت فاكرة

إن إحنا ما كناش فارقين معاه، وإنه سابنا بسهولة.

لكن دلوقتي...

فهمت إن الموضوع ما كانش سهل.

كان أنانية...

وجبن...

وقسوة...

لكن عمره ما كان سهل.

كان فيه ظرف مكتوب عليه اسمي...

بخط إيد أمي.

رجليا ما عادوش شايليني.

قعدت على الأرض، وفتحت الظرف وإيدي بترتعش.

وبدأت أقرأ بصوت مكسور:

"بنتي الغالية إنجي...

لو وصلتك الرسالة دي، يبقى أنا خلاص سبت الدنيا... وأكيد إنت زعلانة.

ومن حقك تزعلي.

لكن أوعي تخلي الغضب يبقى البيت اللي تعيشي جواه.

الغضب هيحسسك بالأمان شوية...

لكن بعد كده هيقفل عليك بابه، ومش هيخليك تعرفي تخرجي منه."

وقفت عن القراية.

مريم قعدت جنبي في هدوء.

الرسالة كان فيها ذكريات من طفولتي، ونصايح عن تربية الأولاد، لحد ما وصلت لجملة خلتني أضم الورقة على صدري بقوة.

"الحب مش دايمًا بيرجع بالشكل اللي نستحقه... لكن ده ما معناهش إننا نقفل قلوبنا ونبطل نستقبله."

وساعتها...

انهرت في العياط.

ما كانش عياط هادي، ولا كنت بحاول

أتماسك.

مريم حضنتني بقوة.

ويوسف جه وقعد في حضني، ولف إيديه حواليا.

وبعد لحظات، أبويا قرب وقعد على ركبته قصادنا.

كان باين عليه التردد، وكأنه مش عارف إذا كان يستحق يقرب ولا لأ.

التسامح ما كانش باب أقدر أفتحه لمجرد إنه خبط عليه بعد سنين.

لكن... سمحتله يفضل يتعشى معانا.

يوسف فضل يسأله عن كل حاجة تخطر على باله.

إيه أكتر فطار بيحبه؟

كان بيحب يلعب إيه وهو صغير؟

وعمره شاف دب حقيقي؟

وأبويا جاوبه على كل سؤال بصبر وابتسامة هادية.

ولما جه يمشي، وقف عند باب البيت وقال:

"ينفع أكلمك بكرة؟"

بصيت لمريم...

وبعدين بصيت ليوسف...

ورجعت بصيت له.

قلت بهدوء:

"اتصل."

هز راسه، وعينيه مليانة امتنان.

وقال:

"شكرًا."

وبعد ما مشي...

يوسف سند راسه على كتفي.

وسألني:

"إنتِ لسه زعلانة؟"

ابتسمت ابتسامة باهتة.

وقلت:

"شوية."

بصلي بقلق وقال:

"مني؟"

حضنته، وبوست راسه.

وقلت:

"عمري ما هزعل منك يا حبيبي."

في الليلة دي...

أنا

ويوسف قعدنا نقرأ رسالة تانية من رسايل أمي.

وبعدها غطيته وهو نايم في سريره، جنب نفس الحيطة اللي فضلت محافظة على كلماتها كل السنين دي.

وساعتها فهمت إن مش كل حاجة بنخاف نلاقيها بتكون جاية علشان تكسرنا.

أوقات الحقيقة بتفضل مستخبية...

لحد ما نبقى أقوى، ومستعدين نواجهها.

ويبقى السؤال الحقيقي هو:

لو في يوم رجع الشخص اللي كسر قلبك، ومعاه الحقيقة اللي اتحرمت منها سنين...

هتقفل الباب في وشه وتدفن كل اللي فات؟

ولا هتفتحه سنة صغيرة...

يمكن تكتشف إن لسه فيه حاجات تستحق تتصلح؟

تم نسخ الرابط