لأول مرة سمحت لي كنتي أحمّم حفيدي

لمحة نيوز

التفت إلى زوجته، فرفعت هي رأسها بعد صمت طويل وقالت:

"أول ما حكالي... رفضت."

نظرت إليها بدهشة، فقالت وهي تمسح دموعها:

"رفضت مش علشان الطفل... رفضت علشان الكذبة. قلتله: إحنا عمرنا ما بنينا حياتنا على كدب، إزاي هنعيش العمر كله خايفين الحقيقة تتكشف؟"

أطرق ابني برأسه، ثم أكمل:

"قعدنا الليلة كلها ما نمناش... وكل واحد فينا بيحاول يقنع التاني برأيه، لحد ما قبل الفجر قالتلي جملة عمري ما هنساه."

ابتسمت زوجته ابتسامة باهتة وسط دموعها وقالت:

"قلتله... الطفل ده ذنبه إيه؟ هو ما اختارش يتولد بالشكل ده... ولو إحنا رفضناه، هيكبر وهو بيدفع تمن غلطة ما عملهاش."

ساد الصمت للحظات.

ثم أكملت وهي تنظر إلى الصغير النائم بين ذراعيها:

"أنا وافقت أكون أمه... من اللحظة دي. مش علشان كنت محتاجة طفل... لكن علشان هو كان محتاج أم."

شعرت بغصة تخنق أنفاسي، لكن سؤالًا واحدًا ظل يطاردني منذ بدأت الحكاية.

رفعت عيني إلى ابني وقلت بصوت مرتجف:

"وابن أختي؟... إزاي قدر يعيش بكل السر ده؟"

تنهد طويلًا، ثم قال:

"كان شايل هم الدنيا فوق كتفه يا أمي... ولما سلمني الطفل، قعد يبصله وقت طويل، ولا مرة شاله بين إيده من غير ما يبكي."

سكت لحظة، وكأنه ما زال

يرى ذلك المشهد أمام عينيه، ثم أكمل:

"قبل ما يمشي، قالي: (أنا غلطت... والغلطة دي هفضل أشيلها طول عمري، لكن الطفل ده مالوش ذنب. من اللحظة اللي هتستلمه فيها، يبقى ابنك قدام ربنا وقدام الناس. أوعى في يوم الحقيقة دي تهد بيتك، ولا تجرح مراتي، ولا تخلي ابني يكبر وهو حاسس إنه ابن غلطة.)"

ابتلع ريقه بصعوبة، ثم أردف:

"الست السايحة اللي اتجوزها وقّعت كل الأوراق، وسافرت بلدها، وكانت مصرة إنها تقطع أي صلة بالطفل... وهو كان مرتاح، لأنه كان عارف إنه هيفضل مطمن عليه معانا."

خفض رأسه قليلًا، ثم قال بصوت خافت:

"وبعدها بأسابيع... حصل الحادث... وأخد السر كله معاه."

شعرت وكأن الأرض تميد بي.

تذكرت يوم وفاته ووقوفي بجوار أختي وهي تبكي ابنها، ويوم عدت إلى بيتي وأنا أردد أن الموت خطفه قبل أوانه...

ولم يخطر ببالي لحظة، أن أغلى ما تركه خلفه لم يكن مالًا ولا بيتًا... بل طفلًا صغيرًا كان ينام وقتها في غرفة ابني، وأنا أزوره كل أسبوع، وأحمله بين ذراعي، دون أن أعرف أن في ملامحه آخر ما تبقى من ابن أختي.

انفجرت زوجة ابني في البكاء، ثم قالت وهي تضم الطفل إلى صدرها:

"ومن يومها... ما بقاش أمانة في رقبتنا وبس... بقى ابننا. وكل يوم كنت بخاف ييجي اليوم اللي الحقيقة

تنكشف فيه، فيحس إنه أقل من أي طفل، أو يحس إن مكانه في البيت ده كان مجرد شفقة... وأنا عمري ما حبيته شفقة، أنا حبيته لأنه ابني." 

رفعت عيني نحوها، وقلت بصوت ما زال يحمل شيئًا من العتاب:

"طيب ليه... ليه تخبوا عليا؟ أنا أمك."

رد ابني بسرعة، وكأنه كان ينتظر هذا السؤال منذ سنوات.

"علشانك إنتِ."

تجمدت في مكاني.

"أنا؟"

اقترب مني، وجلس أمامي كما كان يفعل وهو صغير، ثم أمسك يدي وقال:

"إنتِ طول عمرك بتحلمي تشوفي حفيدي... وكنتِ كل ما تشوفي طفل في العيلة تقولي: يا رب أشيل ابن ابني قبل ما أموت."

أخفض رأسه وهو يكمل:

"ولما الدكتور قال إني مستحيل أخلف... حسيت إني فشلت قدامك، ومقدرتش أقولك الحقيقة."

ارتجفت يدي بين يديه.

أما زوجته فقالت بصوت مكسور:

"وأنا خفت... خفت لما تعرفي إنه مش من دمه، تبصي له كل مرة على إنه غريب... حتى لو من غير قصد."

هززت رأسي بسرعة.

"أنا؟ أعمل كده؟"

قالت وهي تبكي:

"مكنتش أعرف... كنت خايفة بس."

تنهدت، ثم نظرت إلى الطفل.

"واللاصقة؟"

ابتسمت ابتسامة حزينة وقالت:

"أول ما استلمناه... وأنا بغيرله هدومه، شفت الوحمة."

وسكتت لحظة قبل أن تكمل:

"افتكرت كلام حضرتك... كل مرة كنتِ تحكي عن أختك

الله يرحمها، وإن الهلال الصغير اللي بين الكتفين ده كان علامة في ولادها كلهم."

ابتلعت ريقها.

"عرفت إنك لو شوفتيها... هتوصلي للحقيقة في ثانية."

"ومن يومها... بقيت أغير اللاصقة قبل كل زيارة، وأرفض أي حد يحممه... وكل مرة كنت أقول لنفسي: يوم واحد كمان... شهر كمان... سنة كمان... لحد ما أبقى قادرة أقول الحقيقة."

نظرت إليها طويلًا.

وفجأة... اختفت كل الأسئلة.

لم أرَ أمامي امرأة خدعت ابني.

ولا امرأة سرقت طفلًا.

رأيت أمًا...

أمًا اختارت أن تحب طفلًا لم تحمله في بطنها، وعاشت شهورًا طويلة ترتجف خوفًا من أن يضيع منها إذا انكشف السر.

اقتربت منها ببطء.

مددت يدي إلى ظهر الطفل.

نزعت اللاصقة من فوق المنشفة، ثم ألقيتها في سلة المهملات.

نظرت إلى الوحمة مرة أخيرة.

ثم قبلت ظهره قبلة طويلة.

ورفعت عيني إليهما وقلت بصوت اختلطت فيه الدموع بالابتسامة:

"أنا كنت فاكرة إن اللاصقة دي كانت بتخبي فضيحة..."

وسكتُّ لحظة.

"...لكن طلعت كانت بتخبي وجع."

احتضنت الطفل إلى صدري، وربتُّ على رأس زوجة ابني، ثم قلت:

"اسمعوني كويس... من النهارده، محدش يحط اللاصقة دي تاني."

نظرا إليَّ في دهشة.

فابتسمت وأنا أمسح دموعي.

"الوحمة دي مش

هتغير حاجة."

ثم ضممت الصغير أكثر إلى صدري وهمست:

"يمكن ما خرجش من صلب ابني... لكنه دخل قلبي من أول يوم شلته فيه...يمكن عشان من ريحة الغالي."

وفي تلك اللحظة، شعرت أن السر الذي ظل , فترة يخيفهم جميعًا... لم يعد سرًا، بل أصبح حكاية طفل كتب الله له أن يجد عائلة أحبته، قبل أن تسأل يومًا من أي دم جاء.

تم نسخ الرابط