حين أنزلوا نعش سعاد إلى القبر بقلم صابرين
المحتويات
حين أنزلوا نعش سعاد إلى القبر خرج ثعبان أسود ضخم من باطن الأرض ومنعهم من دفنها أمام أعين الجميع. لكن ما كشفه ذلك الثعبان بعد ساعات كان أشد رعبًا من ظهوره.
لم يكن الصباح مختلفا عن غيره حين اعلن خبر وفاة تلك المرأة العجوز التي عاشت عمرها كله بهدوء شديد كأنها تخاف ان تترك اثرا ثقيلا في حياة اي انسان.
سعاد لم تكن مشهورة ولا ملفتة. امرأة بسيطة يعرفها الجميع بالسلام الخافت والابتسامة العابرة ولم يعرف عنها احد يوما صراخا او شكوى او رغبة في لفت الانتباه.
حين جاء وقت الجنازة خرج الرجال يحملون النعش بخطوات بطيئة ووقفت النساء خلف الابواب والشبابيك يراقبن المشهد بصمت اعتادته القرية في مثل هذه الايام.
وصلوا الى المقابر دون ان يشعر احد بان هناك شيئا غير طبيعي. حتى انزلوا النعش واقتربوا من الحفرة التي اعدت لاستقبال الجسد. فحدث ما لم يكن في
خرج من باطن القبر ثعبان اسود ضخم ملتف الجسد مرفوع الرأس. ثابت النظرات كأنه حارس لا يسمح لشيء ان يقترب فارتدت الاقدام للخلف وتوقف النفس في الصدور.
حاولوا مرة اخرى بعد ان اختفى الثعبان اقتربوا بحذر وما ان لمسوا حافة القبر حتى عاد للظهور اعنف واشد كأنه يرفض الجسد ويرفضهم معه.
تكررت المحاولة اكثر من مرة وتكرر الفشل ومع كل فشل كان الخوف يتحول تدريجيا الى كلام والكلام يتحول الى اتهام سهل وجاهز.
قال احدهم ان هذا دليل سوء خاتمة وقال اخر ان من تظهر له مثل هذه العلامات لا بد انها ارتكبت ذنبا عظيما اخفته وأن تلك الإشاعة التي سموعها عنها. صادقة
بدأ الهمس ينتشر بين الحاضرين وتلك الاشاعة خرجت مرة ثانية من أفواهم فشوهت ذكرى امرأة لم تعد قادرة على الدفاع عن نفسها.
نسي الجميع حياتها الهادئة وتذكروا فقط موتها الغريب وتلك الإشاعة وكأن
عاد النعش الى البيت مع الغروب والاسئلة معلقة في الهواء والخوف يسكن العيون والجسد ينتظر قبرا لا يفتح له بابه.. في تلك الليلة اقترح احد كبار العائلة ان يأتوا بشيخ ليس ليصلي فقط بل ليفهم لان ما يحدث يحمل سرا لا يشبه الموت العادي.
جاء الشيخ مع الفجر شيخا وقورا هادئ الملامح لا ينظر في الوجوه بل في الفراغ من حوله كأنه يرى ما لا يراه الاخرون.
دخل البيت وقف امام النعش لم يلمس الجسد ولم يفتح الكفن جلس فقط واغمض عينيه طويلا ثم تنفس بعمق وقال بصوت ثابت كسر قلوب الحاضرين ان هذه المرأة لم تمت مذنبة وان ما رأوه ليس عقابا كما يظنون.
ارتبك الجميع وتبادلوا النظرات فكيف يفسرون الثعبان وكيف يصدقون ان ما حدث لا علاقة له بذنب او غضب.
قال الشيخ ان هذه امرأة ظلمت ظلما عظيما وقيل عنها ما ليس فيها وحملت
ساد الصمت من جديد صمت اثقل من الخوف نفسه لان الحقيقة حين تقترب تصبح اشد وجعا من اي تفسير غيبي.
وقال الشيخ اخيرا ان الارض لا تقبل جسدا شوهه كلام الناس ظلما وان دفنها لن يتم قبل ان تعرف الحقيقة كاملة.
وبقي النعش في مكانه وبقيت القرية امام سؤال واحد من الذي قتل سعاد بالكلام قبل ان تموت بالجسد.
جلس الشيخ في وسط الدار والناس من حوله صامتون كأن كل واحد منهم يخشى ان يكون جزءا من الذنب او شاهدا سكت حين كان الكلام قادرا على الانقاذ.
قال الشيخ بهدوء ان الاشاعة لا تحتاج دليلا لتعيش يكفيها قلب مريض ولسان لا يخاف ثم تتحول الكذبة الصغيرة الى حكم جماعي لا ينجو منه احد.
بدأ يحكي عن سعاد فهو عرف حقيقتها وإنها جاءت الى هذه القرية منذ سنوات امرأة غريبة بلا اهل معروفين سكنت بيتا صغيرا على الاطراف
متابعة القراءة