حين أنزلوا نعش سعاد إلى القبر بقلم صابرين
بينهم.
قال ان سعاد خرجت من قريتها الاولى بعدما طاردتها اشاعة كاذبة اشاعة لا دليل لها سوى سوء الظن كبرت حتى صارت حقيقة في عيون الناس.
كانت الاشاعة قد بدأت منذ سنوات حين رآها احدهم واقفة تتحدث مع رجل غريب قرب بيتها لم يكن الامر اكثر من سؤال عابر لكنه تحول في الافواه الى قصة كاملة.
قالوا ان الرجل كان يزور بيتها وقالوا انها تخفي علاقة محرمة ولم يسأل احد عن الحقيقة ولم يكلف احد نفسه عناء التثبت او الدفاع.
تركت المكان وتركت اسمها هناك مشوها وجاءت الى هنا بقلب مكسور تحاول ان تعيش بلا ماضي كأن الصمت قادر على محو الاثر.
عاشت بينكم طيبة كما عرفتموها لم تؤذ احدا ولم تسيء لكنها ظلت تحمل داخلها خوفا قديما من ان يلحقها الكلام مرة اخرى.
قال الشيخ ان الظلم حين يسكن القلب يتحول الى ثقل لا يراه الناس لكنه يترك اثره في الروح وان سعاد
سأل احد الحاضرين بصوت خافت عن الثعبان وعن سر ظهوره وعن سبب رفض الارض لجسدها فتنفس الشيخ بعمق قبل ان يجيب.
قال ان الثعبان لم يكن عقابا لها.. بل دافعا عنها وان الارض احيانا ترفض ان تشارك في ظلم لم يصححه البشر وهم احياء.
قال ان الثعبان خرج ليمنع دفن الجسد بالكذب وليجبر الناس على مواجهة ما فعلوه او ما سكتوا عنه او ما صدقوه بلا دليل.
ساد الوجوم وبدأت الوجوه تنخفض لان كثيرا منهم تذكر كلمة قالها او نظرة اطلقها او صمتا اختاره حين كان الصمت خيانة واعترف احدهم انه سمع هذه الاشاعة من شخص كان يعرفها في قريتها القديمة وهو صدق الاشاعة وكررها واعترفت امرأة انها صدقتها من غير دليل وبكى رجل لانه عرف الحقيقة وسكت خوفا من الناس.
طلب الشيخ أن يعلنوا براءة سعاد امام الجميع وان يتوبوا بالكلام كما أذنبوا بالكلام
خرجوا بها مرة اخرى الى المقابر والقلوب هذه المرة مثقلة بالندم لا بالخوف وحين اقتربوا من القبر لم يظهر شيء. انزلوا الجسد ولم تعترض الارض ولم يخرج الثعبان كأن المهمة انتهت حين عرفت الحقيقة طريقها الى النور.
دفنت سعاد اخيرا بعد ان غسل اسمها من رجس الكذب وبعد أن اعاد الناس اليها ما سلب منها ظلما سمعتها وكرامتها ووريت الثرى بعدما انتصرت الحقيقة لكن انتصارها جاء متأخرا. متأخرا حد الوجع الذي لا يداوى.. كان التراب الذي احتواها ارحم من قلوب قست واصدق من السنة طالما تزينت بالباطل.
عادوا من المقابر صامتين. غير ان الصمت هذه المرة لم يكن خوف ولا رهبة بل خجلا ثقيلا يسير على الأكتاف. خجل من كلمات قيلت بلا علم ومن ظنون صنعت بلا دليل ومن اتهامات وجهت بلا رحمة. ادركوا ولو متأخرين ان بعض الموت لا تصنعه
في تلك القرية تغير كل شيء بعد سعاد. لم تعد الجنازات تمر كما كانت ولم يعد الموت خبرا عابرا كلما مات أحد. تذكروها وتذكروا كيف يمكن لكلمة واحدة أن تكون سكينا وكيف يمكن لصوت الجماعة أن يدفن إنسانا حيا. صاروا يخافون من السنتهم اكثر مما يخافون من القبور ويترددون قبل أن يحكموا بعدما رأوا كيف يكون الحكم ظالما وقاسيا وقاتلا.
تعلموا اخيرا ان سوء الخاتمة ليس في الموت بل في الظلم الذي يسبقه. وان البراءة حين تغتال معنويا لا يقل المها عن اغتيال الجسد. اما سعاد فقد رحلت وقد كشف الحق. لكن قصتها بقيت شاهدا لا يموت تهمس في آذانهم كلما هموا بالظلم اتقوا الكلمة فانها قد تقتل واتقوا الشائعة فإنها لا ترحم. صابرين_محمد ..
تمت
إذا وصلت إلى النهاية اترك بصمتك وشاركها