ترك لها والداها “كراجاً” بقيمة 10 دنانير
ترك لها والداها “كراجاً” بقيمة 10 دنانير في الوصية — وكان بداخلها شيءٌ لا يُقدّر بثمن…
بعد وفاة الحاج توفيق وزوجته أمينة بفارق ثلاثة أشهر، جلس أبناؤهما في مكتب المحامي لسماع تفاصيل الوصية.
ورث الابن الأكبر، رشيد، البيت، بينما حصلت دلال على المدخرات المالية والسيارة.
أما كريمة، الصغرى—التي عادت إلى بيت العائلة في سن الثامنة والثلاثين وقضت خمس سنوات كاملة ترعى والدتها وتحتضن يد والدها حتى لفظ أنفاسه الأخيرة—فقد خُصص لها سطرٌ واحد فقط في الوصية: مستودع منفصل في شارع المشاتل. وقُدّرت قيمته بـ عشرة دنانير فقط، وهو مبلغ وصفه شقيقها بـ “العادل”، ولم تعترض عليه شقيقتها.
قادت كريمة سيارتها نحو المستودع بمفردها، وهي لا تتوقع سوى الغبار والأدوات القديمة التي كساها الصدأ.
هناك وجدت طاولة العمل الفولاذية، واللوحة الجدارية المعلقة، ورائحة نشارة الخشب الزكية التي لا تزال تفوح بأنفاس والدها، لكن خلف باب مخفي لم تلاحظه طوال حياتها، كان يقبع شيءٌ أمضى الحاج توفيق أربعين عاماً يبنيه في خفاء تام…
كان مكتب المحامي يقع في الطابق الثاني من بناية قديمة تفوح منها رائحة المنظفات الصناعية وخزائن الملفات العتيقة. وُضعت ثلاثة مقاعد في صف واحد أمام المكتب، وجلست كريمة في المنتصف.
كان رشيد عن يسارها يتفقد هاتفه، بينما كانت دلال عن يمينها تقرع بأظافرها بتوتر على مسند المقعد.
قال الأستاذ عادل وهو يفتح ملفاً ورقياً ويعدل نظارته: “كان والدكم محدداً للغاية، بل أكثر تحديداً من معظم الموكلين الذين تعاملت معهم طوال حياتي.”
وضع رشيد هاتفه مقلوباً على ركبته لينصت. بدأ المحامي بقراءة ما يخص البيت أولاً، واصفاً الغرف الأربع، والحديقة التي اعتنت بها والدتهم لعقود، والممر الذي أوقف فيه والدهم شاحنته القديمة لعشرين عاماً.
أعلن المحامي: “كل ذلك لـ رشيد.”
هز رشيد رأسه متمتماً بأنه أمر طبيعي لأنه الابن الأكبر، رغم أن أحداً لم يسأله إن كان ذلك منصفاً للجميع.
ثم قرأ المحامي ما يخص المدخرات: واحد وأربعون ألف دينار في حساب مشترك، وسياراتها القديمة.
قال المحامي: “كلها لـ دلال.”
عدّلت دلال جلستها وهي تهز رأسها باستحسان وهدوء.
ثم توقف المحامي، ونظر إلى كريمة من فوق إطار نظارته بتردد طفيف لم تفهم معناه تماماً.
قرأ: “إلى ابنتي كريمة، أورث المستودع المنفصل الواقع في 14 شارع المشاتل. القيمة التقديرية: عشرة دنانير.”
خمس سنوات من حياتها ذهبت سدى، ليُقيّموا حصتها بعشرة دنانير فقط.
انحنى رشيد إلى الأمام متسائلاً عما إذا كان هذا حقاً كل ما كتبه والدهم، فأشار المحامي إلى توقيع الحاج توفيق في أسفل الورقة، مرتعشاً ولكنه كان واثقاً وحاسماً.
الجزء
“خبَراً، أنا واثقة أن والدنا كانت لديه أسبابه،” قالت دلال وهي تعدل حزام حقيبتها بنبرة دفاعية.
وقف رشيد وأغلق أزرار سترة بدلته، معلناً أن هذا هو ما أراده الرجل العجوز، وأنه لا ينبغي لـ كريمة أن تشعر بالإهانة أو الحزن.
ظلت كريمة متجمدة في مكانها على الكرسي بينما خرج رشيد ودلال معاً، وصوت حديثهما المُنخفض يدور حول مواعيد رحلات الطيران الصادرة من المطار عبر الرواق.
انتظر المحامي، الأستاذ عادل، حتى تلاشت أقدامهما تماماً في الأسفل قبل أن يتحدث مجدداً.
“آنسة كريمة،” نظر إليها برفق. “جلس والدكِ في هذا الكرسي بالذات عندما كتب هذه الوصية، وقضى ساعتين كاملتين في صياغتها، بينما ينهي معظم الموكلين الأمر في عشرين دقيقة.”
“ما الذي تحاول قوله يا أستاذ عادل؟” سألت كريمة.
رفع المحامي نظارته، وفرك جسر أنفه وهو يختار كلماته بعناية.
“كل ولد حصل على ما يحتاجه تماماً،” قالها ثم أضاف: “هكذا صاغها والدكِ لي بالنص.”
لم تفهم كريمة المغزى من تلك الكلمات وهي تخطو خارجة إلى ضوء الظهيرة الباهت.
كانت سيارة رشيد المستأجرة قد غادرت بالفعل، بينما كانت دلال تركب سيارتها عند الرصيف وتعدل نظارتها الشمسية.
نادتها دلال مدعية أن والدها لم يكن في كامل قواه العقلية خلال السنوات الأخيرة بسبب التشتت والنسيان، مُرجحة أنه ربما نسي تعديل الأمور فقط.ردت كريمة بهدوء: “لقد
فتحت دلال فمها لتجيب، ثم أغلقت شفتيها وغادرت بسيارتها، تاركة كريمة وحيدة على الرصيف الخالي.
كانت كريمة قد عادت إلى بيت العائلة قبل خمس سنوات، بعد أسبوع واحد من التشخيص الصادم لوالدتها.
أمينة، المعلمة المتقاعدة ذات الاثنين وسبعين عاماً، تم تشخيصها بمرض ألزهايمر في مرحلة متقدمة.
ألقى طبيب الأعصاب الخبر وكأنه يقرأ تقريراً روتينياً، وإحدى يديه تمتد بالفعل إلى ملف المريض التالي.
كانت كريمة تعيش حينها في مدينة أخرى، تعمل في نوبات ليلية مرهقة في قسم الطوارئ بالمستشفى العام.
كانت تملك شقة صغيرة من غرفة واحدة وقطة تبنتها—حياة بسيطة ولكنها كانت ملكها بالكامل.
تخلت عن كل ذلك في ثلاثة أيام فقط؛ وجدت مستأجراً لشقتها، وحزمت حقيبتين، وقادت سيارتها لعدة ساعات عائدة إلى منزل طفولتها.
عندما وصلت، كانت والدتها تقف في المطبخ معطفاً شتوياً ثقيلاً في منتصف شهر تموز/يوليو، تحاول تسخين علبة معدنية من الحساء داخل الميكروويف!
وكان والدها، الحاج توفيق، يجلس على الطاولة يحدق في العلبة بعينين متعبتين ومحمرتين من السهر.
“لقد جئت يا أبي،” قالتها كريمة يومها، ومن تلك اللحظة بدأت رحلة سهرها ورعايتها الطويلة.
كانت السنة الأولى مقبولة، مجرد نسيان بسيط، ولكن بحلول السنة الثانية،