ترك لها والداها “كراجاً” بقيمة 10 دنانير

لمحة نيوز

ركبت كريمة أقفالاً وإنذارات جديدة، وتعلمت كيف تنام بعين واحدة مفتوحة، تستمع لأي خطوة وهمية في الممر.

وبحلول السنة الثالثة، توقفت الأم عن التعرف على كريمة تماماً، وكانت تصرخ في وجهها وكأنها غريبة شريرة!

“أنا هنا لأساعدكِ اليوم فقط،” كانت كريمة تقول لها بصوت خفيض، بعد أن تعلمت ألا تجادل عقلاً يغيب بالتدريج.

كان رشيد يتصل مرة واحدة في الشهر من العاصمة، يقدم تعاطفاً زائفاً حول مدى صعوبة الأمر، بينما يتقاضى مئات الدنانير عن كل ساعة في شركته.

أما دلال أرسلت شيكين فقط طوال خمس سنوات، استخدمتهما كريمة لشراء المستلزمات الطبية والأدوية الباهظة الثمن.

وعندما توفيت الأم بسلام في يوم ثلاثاء من شهر آذار/مارس، وصفت ممرضة الرعاية الأمر بالهدوء والس\كينة، رغم أن كريمة لم تعد تعرف للس\كينة معنى.

بعد أربعة أشهر، رحل الحاج توفيق أيضاً؛ إثر سكتة دماغية مفاجئة وحادة.

عثرت عليه كريمة على أرضية المستودع في شارع المشاتل، سقط بجوار طاولة عمله القديمة ونشارة الخشب لا تزال تكسو قميصه.

حضر رشيد ودلال للجنازة، ارتديا ملابس سوداء فاخرة، بكيا، وصافحا الجيران، ثم غادرا خلال ثمانٍ وأربعين ساعة.

مر أسبوعان قبل أن تتجمع لدى كريمة الشجاعة لزيارة ذلك المستودع الصدئ في ذلك الشارع المأهول بالهدوء.

عندما فتحت القفل بالمفتاح الذي أعطاها إياه المحامي،

استقبلتها رائحة نشارة الخشب وزيت الكتان النفاثة.

كانت طاولة العمل تمتد على طول الجدار، وفوقها عُلقت كل أداة يدوية داخل رسم تخطيطي دقيق باللون الأسود على اللوحة الجدارية.

وبينما كانت تسير إلى الداخل، لاحظت شقاً رأسياً خفيفاً يمتد من الأرض إلى السقف خلف كومة من الخشب.

كان باباً مخفياً، متساوياً مع الجدار، به ثقب مفتاح نحاسي صغير دون أي مقبض.

بعد بحث حثيث في أدراج طاولة العمل، وجدت مفتاحاً نحاسياً صغيرة ملصقاً بشريط في القاع السفلي للدرج الأوسط.

ضغطت المفتاح في القفل، ودارت به، لينفتح الباب إلى الداخل كاشفاً عن غرفة سرية تعادل ضعف حجم ورشة العمل نفسها!

كان ضوء الصباح يتدفق من نافذة عالية، يضيء مجموعة مذهلة من الأثاث المصنوع يدوياً بإتقان شاهق.

طاولة طعام، وستة كراسي فاخرة، ومكتبة عالية، وإطار سرير من خشب الزان الصلب، وكرسي هزاز، ومكتب كتابة أنيق يقف في ذلك الفضاء الهادئ.

كل قطعة منها كان يعلوها بطاقة ورقية صغيرة معلقة بخيط قطني، وعلى كل بطاقة كُتب بخط والدها الثابت: “إلى كريمة”.

انهارت كريمة على الأرض وهي تبكي، بعد أن أدركت أن والدها أمضى أربعين عاماً يبني لها بيتاً كاملاً في خفاء تام!في الدرج العلوي لمكتب الكتابة، وجدت دفتر مذكرات جلدياً بعنوان: “دفتر أثاث توفيق ورشة – الجزء الأول”.

كان يفصل عقوداً من الحرفية

العالية لمهندس أثاث عالمي تحت اسم مستعار مركب من اسمه واسم عائلة زوجته قبل الزواج.

وتحت الدفتر، وجد دفتر توفير بنكي يظهر حساباً مشتركاً باسميهما بفيصل مالي يتجاوز الثلاثمائة ألف دينار!

لقد أخفى الحاج توفيق نجاحه الهائل كصانع أثاث عالمي لحماية هذا الميراث من جشع أبنائه الآخرين.

اتصلت كريمة بـ “عمي أبو أحمد”، صديق والدها القديم وصاحب محل أدوات البناء، الذي أسرع إليها في دقائق.

اعترف أبو أحمد بأنه وتجار آخرين كتموا سر والدها لأكثر من ثلاثين عاماً، لحماية فنّه وفلسفته المتوارية عن الأنظار.

ناولها أبو أحمد كتالوجاً فنياً صقيلاً يعرض أعمال والدها، والمُقوّمة بعشرات الآلاف لكل قطعة.

وقال لها بنبرة دافئة: “لقد احتفظ بأفضل القطع لكِ يا كريمة.. وغلّف ميراثكِ بتقييم قيمته عشرة دنانير حتى لا ينظروا إليه أبداً.”

كشف أبو أحمد أيضاً أن الحاج توفيق ترك ظرفاً مغلقاً في خزينة المحل، يحتوي على وصية قانونية محصنة ورسائل لأبنائه.

وعندما عاد رشيد ودلال بعد بضعة أيام للمطالبة بتقسيم القيمة غير المتوقعة للمستودع، أخذتهما كريمة إلى الغرفة السرية.

هدد رشيد على الفور باللجوء للقضاء، مدعياً أن والدهما كان مشوشاً وغير أهلم عندما اتخذ هذه القرارات.

ورداً على ذلك، وضعت كريمة رسالة والدهم الأخيرة لهم على الطاولة، والتي قرأتها دلال بصوت مرتفع

ووجه شاحب.

شرحت الرسالة بالتفصيل كيف كان والدها يراقب سنوات إهمالهما، مسجلاً كل مكالمة فائتة وشيك زائف.

وجاء في الرسالة: “آل البيت لـ رشيد لأنه يبحث عن الوجاهة؛ وآلت المدخرات لـ دلال لأنها تبحث عن المال؛ أما المستودع فكان لـ كريمة لأنها الوحيدة التي ستدخل إلى الداخل وتنظر بقلبها.”

مذهولين بالوثيقة القانونية المحصنة، ومكسورين بالحقيقة العارية لكلمات والدهما، تلاشت الموجة الغاضبة من رشيد.

اعترف رشيد بصوت خفيض قبل أن يغادر المكتب مهزوماً ومغموماً: “كان عليّ أن أعود إلى البيت..”

أما دلال فبكت في صمت، بعد أن أدركت أن والدهما رأى حقيقتهما تماماً، ومع ذلك أنهى رسالته بعبارات المحبة.

بعد ستة أشهر، انتقلت كريمة إلى بيت صغير جميل في الطرف الغربي من المدينة، مجهز بالكامل بقطع أثاث والدها الرائعة.

وحولت المستودع القديم في شارع المشاتل إلى “ورشة الحاج توفيق”، لتعليم فنون النجارة والتصميم مجاناً لأبناء المنطقة.

وفي أحد أيام الخريف، دخلت الورشة فتاة شابة كانت قد خرجت للتو من تجربة زواج قاسية ومؤلمة، تبحث عن ملاذ هادئ.

قالت لها كريمة: “ادخلي، وابدئي بتركيب وصلات الخشب أولاً.. فكل شيء جميل يكتمل ويبدأ من هنا.”

ومع مرور السنين، وجدت كريمة الس\كينة، وهي تعلم أن العائلة لا تولد دائماً من رحم الدم؛ بل تأتي أحياناً متعبة ومغبرة

بالجهد، تطرق الباب عند الغروب.

خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد

تم نسخ الرابط