الغريب الذي تبرع لي بإحدى كليتيه
المحتويات
الحياة لا تنتظر دائمًا الوقت المناسب.
قلت
عايزة منك وعد واحد.
قال
أي حاجة.
قلت
مفيش كذب.
ثبت عينيه في عيني.
مفيش كذب.
وافقت.
واتفقنا على إقامة حفل زفاف بسيط في قاعة ملحقة بحديقة أحد المطاعم في مدينة نصر، بحضور أقرب أفراد العائلة والأصدقاء.
لم نرد حفلًا كبيرًا أو مبالغًا فيه.
كنا نريد فقط أن نكون مع الأشخاص الذين نحبهم.
حضر والداي، وكان أخي يتذمر من ربطة العنق التي ارتداها، بينما بدأت منى في البكاء قبل أن تبدأ مراسم عقد القران أصلًا.
وفي صباح يوم الزواج، سألت يوسف سؤالًا أخيرًا
إحنا بنعمل كده عشان إحنا خايفين؟
ضغط على أصابعي وقال
بنعمل كده عشان إحنا خايفين... وعشان أنا بحبك.
لم تستغرق مراسم عقد القران أكثر من اثنتي عشرة دقيقة.
ثم أعلن المأذون أننا أصبحنا زوجًا وزوجة.
صفق الجميع.
التفتُّ إلى يوسف، متوقعة أن أراه يبتسم.
لكن تعبير وجهه تغير تمامًا.
اختفت ابتسامته.
وأمسك بيدي واقترب مني، بحيث لا يسمعه أحد.
ثم همس
دلوقتي بس أقدر أقولك الحقيقة.
شعرت ببرودة تسري في جسدي كله.
سألته
حقيقة إيه؟
نظر يوسف نحو أبواب القاعة، ثم عاد ينظر إليّ.
وقال
عندي بنت.
لعدة ثوانٍ، ظننت أنني لم أسمعه جيدًا.
إيه؟
قال
اسمها سلمى... عندها اتناشر سنة.
حدقت في زوجي الجديد.
عندك بنت عندها اتناشر سنة، واستنيت لحد بعد الجواز عشان تقول لي؟
قال
كنت ناوي أقولك قبل كده.
نظرت إليه بغضب.
إنت وعدتني إن مفيش أسرار.
قال بهدوء
عارف.
سألته
هي فين؟
شرح لي يوسف أن سلمى كانت تقضي معظم أيام الدراسة مع جدتها، وكانت تذهب إليه في معظم عطلات نهاية الأسبوع وجزء من الإجازة الصيفية.
أما أمها، فكانت علاقتها بها غير مستقرة منذ انفصالها عن يوسف.
ولأن سلمى كانت تعيش مع جدتها معظم أيام الأسبوع، لم تكن قد قابلتني طوال الفترة التي كنت فيها مع يوسف، رغم أنها كانت تعرف بوجودي.
سألته
سلمى تعرف عني؟
قال
أيوه.
وكانت تلك الإجابة أكثر إيلامًا.
قلت
يعني بنتك كانت عارفة إني موجودة... وأنا ماكنتش عارفة إنها موجودة أصلًا؟
مرر يوسف يده على وجهه.
هي عارفة عن العملية. وعارفة إننا كنا مع بعض.
سألته
ومقابلتنيش ليه؟
قال
رفضت.
ليه؟
تنهد.
هي فاكرة إنك أخدتي مكانها.
حدقت فيه.
هو أنا فعلًا أخدت مكانها؟
هز رأسه.
لأ.
قلت
أمال خبيت عنها ليه؟
أخبرني أن كل مرة كان يذكر فيها اسمي أمام سلمى، كانت تغضب وتتضايق.
ثم جاء تشخيص السرطان.
وبدأ يوسف يقنع نفسه بأن هناك وقتًا أفضل ليعرفني عليها.
لكنه ظل يؤجل الأمر.
وفي كل مرة كان يقول لنفسه إنه سيخبرني لاحقًا، كان يظهر سبب جديد للتأجيل، حتى وصلنا إلى يوم الزواج من دون أن يقول الحقيقة.
ثم اعترف لي بشيء أسوأ.
قال
كنت فاكر إن لو اتجوزنا، سلمى ممكن تفهم إنك مش شخص مؤقت في حياتي.
ابتعدت عنه.
يعني استخدمت جوازنا عشان تحل مشكلة بينك وبين بنتك؟
هز رأسه بسرعة.
لأ. أنا اتجوزتك عشان بحبك.
قلت
بس كنت فاكر كمان إن الجواز هيخليها
لم يرد.
وكان صمته كافيًا.
خرجت من باب جانبي بينما كان الضيوف لا يزالون يتجمعون حول مائدة العشاء.
لحق بي يوسف إلى موقف السيارات.
قال
أرجوكِ، ماتمشيش بالطريقة دي.
استدرت إليه.
خليك هنا.
توقف.
إيه؟
قلت
للمرة دي، ماتقررّش إيه اللي هيحصل بعد كده.
ظل واقفًا في مكانه.
ثم قلت
اديني عنوان جدة سلمى.
تغيرت ملامحه.
هي مش مستعدة تقابلك.
قلت
إنت أخدت قرارات كفاية عن كل الناس.
قال
ممكن تكرهك.
أجبته
لو هتكرهني، يبقى ده قرارها هي... مش قرارك إنت.
وبعد تردد، أعطاني يوسف العنوان.
بعد عشرين دقيقة، كنت لا أزال أرتدي فستان زفافي، وكنت أطرق باب منزل امرأة لا أعرفها.
فتحت لي امرأة مسنة.
نظرت إليّ وقالت
إنتِ ندى؟
قلت
سلمى موجودة؟
أجابت
هي مش عايزة تتكلم معاكي.
قلت
كنت متوقعة ده.
قالت
يوسف اتصل.
ابتسمت ابتسامة ساخرة.
طبعًا اتصل.
كادت المرأة تبتسم.
ثم قالت
ممكن تستني على السلم.
جلست هناك وأنا لا أزال أرتدي فستان زفافي.
مرت عشر دقائق.
ثم خمس عشرة دقيقة.
وأخيرًا فُتح الباب.
سمعت صوت فتاة خلفي
الموضوع غريب أوي.
التفتُّ.
كانت سلمى تحمل عيني يوسف، وكان على وجهها نفس التعبير المتحفظ الذي رأيته فيه كثيرًا.
قلت
أيوه... غريب فعلًا.
عقدت ذراعيها وقالت
إنتِ اتجوزتي بابا عشان شفقانة عليه؟
فكرت للحظة في إعطائها إجابة سهلة.
لكنني قررت أن أقول الحقيقة.
مرضه أثّر على توقيت الجواز، لكن لأ... أنا ما اتجوزتش أبوكي
ظلت تنظر إليّ.
ثم سألت
أمال ليه هو اداكي جزء من جسمه قبل ما يعرفك أصلًا؟
بدأت أجيب، لكنني توقفت.
وفجأة فهمت.
غضبها لم يكن مني في الحقيقة.
كان خوفًا.
قلت لها بهدوء
إنتِ خايفة إن بابا يفضل يدي أجزاء من نفسه لكل الناس، لحد ما ييجي يوم ومايفضلش منك إنتِ أي حاجة.
تغيرت ملامحها قليلًا.
وقالت
كل الناس شايفاه شخص رائع.
قلت
هو فعلًا شخص رائع.
ثم أضفت
بس ده ما يمنعش إن من حقك تزعلي منه.
بدا عليها الاستغراب.
جلست سلمى بجواري.
وقالت
هو بيحل مشاكل كل الناس. أصحابه، جيرانه، زمايله في الشغل... لو حد اتصل بيه نص الليل، تلاقيه قام لبس ونزل فورًا. كل الناس بتقول لي قد إيه هو كريم وجدع. محدش بيسأل أنا بفضل مستنية إيه في البيت.
نظرت إلى خاتم زواجي.
كنت أحب كرم يوسف لأنني كنت أكثر شخص استفاد منه.
لكن سلمى كانت قد عاشت لسنوات الجانب الآخر من ذلك الكرم.
قلت
كان لازم يقول لي عنك.
قالت
أكيد.
ثم أضافت
وهو لازم يبطل ياخد قرارات بالنيابة عن الناس ويقول عليها حب.
ضحكت ضحكة قصيرة.
ربنا يعينك عليه.
عندما عدت إلى مكان حفل الزواج، كان الاحتفال قد انتهى تقريبًا.
لكن عائلتي بقيت.
كان والداي يقفان بجوار الموائد الفارغة، وأخي قد فك ربطة عنقه، بينما كانت منى تجلس في صمت.
وكان كوب العصير أمامها لم يُلمس.
كان يوسف ينتظر بالقرب من باب الحديقة.
اقتربت مني أمي وسألتني
إنتِ كويسة؟
قلت
لأ.
نظرت نحو يوسف.
حصل إيه؟
فتح
لكنني أوقفته.
قول لهم.
شحَب وجهه.
ندى...
قلت
إنت طول الوقت اللي فات كنت بتقرر إمتى كل واحد يعرف الحقيقة. خلاص. مش هتعمل كده تاني.
نظر يوسف إلى عائلتي.
ثم قال
عندي بنت
متابعة القراءة