اشتغلت مغسل سنين طويلة

لمحة نيوز

اشتغلت مغسل سنين طويلة بس اللي حصل اليوم ده ما يتنسيش عمري ما نسيت اليوم اللي غسلت فيه شابين ودفنتهم جنب بعض.
اشتغلت مغسل سنين طويلة وعدى عليا ناس كتير وحالات أكتر.. بس اللي حصل اليوم ده فضل معلق في دماغي كل ما أفتكره أحس إن الدنيا أضيق من اللي كنا فاكرينه وإن النهاية أقرب بكتير.
اليوم ده جابوا لي جنازة شاب. لا كبير في السن ولا طفل واحد في عز عمره ومعاه مجموعة من أهله ومعارفه وفي واحد فيهم كان واضح إنه صاحب الكلمة هنا والكل بيسمع ليه.
الراجل ده طلب من الموجودين يطلعوا واحد واحد لحد ما المكان فاضي تقريبا.. حتى والد المتوفي نفسه خرج وده خلاني أفتكر تلقائي إنه أخوه الكبير أو الولي. أنا متعود إن أهل الميت يقفوا بعيد. بس الراجل ده فضل واقف على جنب ساكت في الأول..باصص للأرض 
بدأت شغلي بهدوء وفجأة سمعت صوت بكاء..مش عالي قوي.. بس باين إنه طالع من القلب ومع الوقت الصوت زاد والدموع نزلت والراجل ما حاولش يخبي.
حاولت أركز.. بس اللي اشتغل في الشغلانة دي يعرف إن في لحظات بتفرض نفسها عليك.. مهما حاولت تبقى جامد.
قلت له بهدوء

ومن غير ما أبصله ربنا يجزيك خير.. ادعي لأخوك هو دلوقتي محتاج الدعاء أكتر من أي حاجة.
سكت ثانية وبعدين قال بصوت مكسور
ده مش أخويا.
استغربت ورفعت عيني عليه وقلت
مش أخوك أمال إزاي وانت اللي مطلع أبوه وإخواته
قال لي
علشان هو أكتر من أخويا.
فضل ساكت شوية وبعدين كمل كلامه من غير ما أطلب.. كأنه كان محتاج يحكي لأي حد.
قال يا شيخ.. احنا دخلنا المدرسة مع بعض.. ابتدائي وإعدادي وثانوي عمرنا ما افترقنا.. دايما جنب بعض في الفصل وفي الفسحة وفي الطريق.
قال إنهم اتخرجوا في نفس السنة واتعينوا في نفس الجهة الحكومية وقعدوا سنين يروحوا الشغل مع بعض ما حدش فيهم عرف يعني إيه يمشي لوحده.
قال إنهم اتجوزوا أختين وكل واحد ربنا رزقه ولد وبنت وساكنين في نفس العمارة. شقته قصاد شقته. باب في وش باب.
قال إنهم كانوا بيتفقوا من غير كلام.. لو واحد نزل بعربيته النهارده.. التاني ينزل بكرة ولو واحد أكل في بيت التاني.. التاني يعوضها من غير حساب.
وبعدين بصلي وقال مر عليك إخوات بالمنظر ده
قلت له بصراحة لا.. أخويا من دمي وما بشوفوش غير في المناسبات.

هز راسه وقال عشان كده بقولك ادعي ليه.. ده مش صاحب وبس ده كان حياتي.
كملنا الغسل في هدوء وهو ساكت بس دموعه ما مبطلتش وكل حركة كان بيعملها باين فيها إنه بيودع مش شخص واحد كأنه بيودع عمر كامل.
خلصنا وصلينا عليه بعد الظهر ودفناه والناس مشيت واحدة واحدة وأنا افتكرت إن القصة خلصت عند النقطة دي.
رجعت البيت ونمت وصحيت تاني يوم العصر ولسه بفكر في الراجل وكلامه بس ماكنش في بالي إن اليوم هيكمل بنفس الشكل.
قبل المغرب بشوية خبطوا على باب المغسلة. دخلوا عليا بجنازة تانية نفس الهدوء نفس الحزن.. بس أول ما شفت الوش حسيت إن في حاجة مش غريبة.
قربت وبصيت وقلت لنفسي إن الملامح دي شفتها قريب ويمكن امبارح. بس استبعدت الفكرة في الأول.
بصيت عليه بتركيز نفس العين اللي كانت واقفة جنبي امبارح.. نفس الوش اللي كان باصص للأرض وبيعيط من غير صوت.
قلت لوالده الوش ده مش غريب عليا.
بصلي باستغراب وقال إزاي يا شيخ ده كان امبارح معاك.. بيساعدك في غسل صاحبه.
قلبي اتنفض وسألته عن سبب الوفاة.
قال إن زوجته حاولت تصحيه علشان الغدا.. قال لها سيبيني أنام
شوية لحد العصر.. علشان أقوم أجهز عزاء صاحبي ولما دخلت تصحيه للصلاة لقيته ميت.

وقفت لحظة قبل ما أبدأ وأنا مش قادر أستوعب إن اللي كان واقف جنبي امبارح.. النهارده على الترابيزة.
غسلته ودموعي نازلة.. من غير ما أحاول أخبي.. لأن في لحظات ما ينفعش فيها الواحد يدعي القوة.
بعد ما خلصنا وصلينا عليه ودفناه ولما جينا نحدد القبر.. طلع القبر اللي جنبه فاضي.. نفس الصف.. نفس المكان.
دفناه جنب صاحبه.. جدار واحد بينهم ولا أكتر ووقفت ساعتها وبصيت للقبرين وحسيت إن في حاجات في الدنيا بتيجي من غير ترتيب مننا.
وقتها فهمت إن في ناس بتعيش مع بعض وتمشي مع بعض وربنا يختار لهم النهاية مع بعض.. من غير ما حد فيهم يطلب.
رجعت البيت وأنا ساكت وكل ما افتكرت الراجل وهو بيقول ده أكتر من أخويا.. عرفت إن في صحبة ممكن توصل للي الدم ما يوصلوش.
بعد ما دفنا التاني.. الناس بدأت تمشي واحدة واحدة وكل واحد فيهم شايل صدمة شكل وأنا واقف قدام القبرين.. مش عارف أقرأ الفاتحة ولا أرفع عيني من الأرض.
في شغلي اتعودت أشوف الموت.. بس المرة دي كان مختلف.. لأن اللي شوفته
قدامي ماكنش وفاة شخص.. كان نهاية حكاية كاملة بدأت من سنين طويلة.

القبرين جنب بعض.. نفس الصف.. نفس المكان وبينهم جدار
تم نسخ الرابط