اشتغلت مغسل سنين طويلة
رفيع.. لا يزيد ولا ينقص وكأن حتى في الدفن ما رضوش يبعدوا عن بعض.
افتكرت كلامه وهو بيبكي امبارح.. لما قال لي إنهم عمرهم ما افترقوا ولا يوم دخل واحد فيهم مكان من غير التاني وساعتها حسيت إن الكلام ده ماكانش مجرد حكاية.
رجعت المغسلة.. قعدت لوحدي شوية.. حاولت أنضف المكان.. بس دماغي كانت مشغولة.. كل تفصيلة صغيرة حصلت في اليومين دول كانت بترجع قدامي تاني.
افتكرت إزاي كان واقف جنبي.. بيمدلي الشاش وبيسألني يعمل إيه وإزاي فجأة بقى هو اللي على الترابيزة.. ساكت.. مفيش صوت.
الشغلانة دي بتعلمك إنك ما تتعلقش.. بس برضه بتعلمك إن في مواقف غصب عنك بتدخل جواك وتفضل هناك مهما حاولت تطلعها.
في الأيام اللي بعد كده.. كل ما جنازة تيجي.. كنت بشوف في وشوش الناس نفس الذهول.. بس ولا مرة حسيت بالإحساس اللي حسيته مع الحكاية دي.
عدت أيام وبعدين أسابيع وكل ما أروح المقبرة.. عيني كانت تروح
كنت أقف.. أقرأ الفاتحة وأفتكر إن في الدنيا ناس عاشت لبعض بجد.. مش كلام ولا مصلحة ولا عشرة مؤقتة.
افتكرت كلامه لما سألني عن الإخوات وساعتها فهمت إن الأخوة مش دم وبس.. الأخوة مشاركة عمر ومواقف ووقفة جنب بعض في الشدة.
فكرت في نفسي وفي علاقتي بالناس وفي كم واحد في حياتنا بنسميه صاحب وهو في الحقيقة مجرد معرفة بتعدي.
الحكاية دي خلتني أعيد حسابات كتير.. خلتني أفكر إن الإنسان ما يعرفش إمتى دوره ولا إمتى آخر مرة يشوف اللي جنبه.
خلتني أفهم إن الموت ما بيختارش الكبير ولا الصغير ولا اللي لسه عنده خطط ولا اللي خلص كل حاجة.
افتكرت الأب وهو واقف مذهول.. مش فاهم إزاي ابنه كان امبارح بيغسل صاحبه والنهارده هو اللي بيتغسل.
افتكرت الزوجة وهي داخلة تصحيه للغدا.. مش في بالها غير الأكل ولا تعرف إن اللحظة دي هتبقى آخر لحظة
الشغلانة دي بتعلمك إن في ناس بتخرج من الدنيا بهدوء.. من غير وجع ومن غير مقدمات.. بس الوجع الحقيقي بيفضل عند اللي بعدهم.
في مرة واحد سألني.. إنت مش بتتأثر
قلت له لو ما بتأثرش.. يبقى لازم أسيب الشغلانة دي.
التأثر مش ضعف.. التأثر دليل إن القلب لسه عايش ولسه فاهم معنى اللي بيحصل.
الحكاية دي بالتحديد علمتني إن الصحبة الصادقة ممكن تكون نعمة كبيرة وممكن تكون اختبار.. لأن الفراق دايما صعب.
علمتني إن اللي معاك النهارده.. ممكن ما يكونش معاك بكرة وإن كلمة تتقال دلوقتي أحسن من ألف كلمة تيجي متأخر.
كل مرة أفتكرهم.. أفتكر إنهم عاشوا سوا وماتوا سوا واندفنوا سوا وكأن ربنا اختار لهم نفس النهاية.
مافيش حد فينا ضامن عمره ولا ضامن يشوف بكرة ولا ضامن يكمل اللي في دماغه.
الحكاية دي ما كانتش عن الموت بس.. كانت عن الحياة وعن الصحبة وعن الوقت اللي بنضيعه وإحنا
ومن ساعتها.. بقيت لما أشوف اتنين قريبين من بعض قوي.. أدعي لهم يفضلوا دايما قريبين في الخير.. لأن الفراق دايما صعب.
وبقيت لما أزعل من حد.. أفكر ألف مرة.. لأن ممكن ما تجيش فرصة تصليح.
في آخر كل يوم وأنا بقفل باب المغسلة.. أفتكر وشوش كتير عدت من هنا.. بس وشهم هما الاتنين دايما سابق.
مش علشان ماتوا.. لكن علشان عاشوا مع بعض بصدق وده شيء نادر في الزمن ده.
واللي اتعلمته من الحكاية دي إن الدنيا ما بتديش إنذار وما بتقولش استعد.. كل حاجة بتيجي فجأة.
علشان كده.. اللي في قلبك قوله واللي عليك تعمله اعمله واللي بتحبه قربه.. قبل ما تيجي لحظة ما ينفعش فيها حاجة.
وفي الآخر.. دايما بقول لنفسي.. زي ما شفتهم قدامي.. إن اللي كتبه ربنا هيكون.. بس الإنسان يختار يعيش إزاي.
ويمكن أعظم حاجة عملوها في حياتهم إنهم عاشوا بصدق ومشيوا من غير ما يسيبوا وراهم إلا سيرة
رحمهم الله وجمعنا وإياهم على خير وثبتنا جميعا.. لأن النهاية واحدة والفرق كله في الطريق.