دخلت تولد، واتفاجأت بطليقها قدامها… وهو آخر واحد يعرف إنها حامل

لمحة نيوز

كان جناح الطوارئ في حالة فوضى. كنت ممددة على نقالة باردة أتشبث بحوافها كأنها آخر ما يربطني بالعالم. الألم كان يمزق بطني بلا رحمة والعرق يغرق وجهي أما الخوف فكان أعمق من الوجع محفورا في صدري لا في عيني فقط. الرؤية أمامي كانت ضبابية الأصوات متداخلة لكني كنت أقاوم الانهيار أتمسك بأنفاسي واحدة تلو الأخرى.
اقتربت مني ممرضة وربتت على يدي. كانت نبرتها هادئة مطمئنة تقول إنني بأمان الآن وإن الطبيب سيصل في أي لحظة. أردت أن أصدقها. حاولت أن أستجمع شجاعتي رغم أن جسدي كان يخونني ورغم أن النزيف كان يخبرني أن شيئا ما ليس على ما يرام.
ثم سمعت وقع خطوات سريعة. خطوات أعرفها حتى قبل أن أرفع رأسي.
ثم حدث الشيء الذي كنت أهرب منه منذ شهور شعرت بوجوده قبل أن أراه بعض الأشخاص لا يحتاجون إلى صوت أو اسم يكفي أن يدخلوا المكان حتى يختل الهواء ويتغير إيقاع القلب دون استئذان.
عندما فتحت عيني رأيته واقفا بمعطفه الأبيض شعره منكوش كعادته غير مهتم بترتيبه تلك الفوضى التي كان يراها ذكاء وغرورا صامتا يعلوه كأنه ولد وهو يعلم أنه الأفضل وأن العالم يجب أن يفسح له الطريق.
عينيه كانتا باردتين مهنيتين لكن خلفهما ارتباك لم يفلح في إخفائه لحظة صمت قصيرة خانته لون وجهه تغير ثم عاد سريعا إلى قناعه المعتاد الطبيب الواثق الرجل الذي لا يخطئ ولا يعتذر أبدا.
سمعته يسأل عن حالتي عن الشهر عن النزيف صوته ثابت وكأنني حالة عابرة رقم

على ورقة وليس امرأة شاركته يوما فراشا وحياة نفس البرود الذي أنهى به زواجنا دون شرح دون تردد.
كنت أتأمله بين انقباضة وأخرى ذلك الغرور الذي طالما اختبأت خلفه هشاشته تلك النظرة التي تقول إنه يعرف كل شيء حتى عندما يكون جاهلا بما يشعر به الآخرون حتى عندما يكسرهم دون أن ينتبه.
الألم انفجر داخلي صرخت رغما عني وفي تلك اللحظة فقط سقطت الأقنعة لم أعد زوجته السابقة ولا ماضيه المزعج كنت امرأة تلد جسدا على الحافة وروحا تحاول ألا تسقط.
اقترب لمس بطني بحذر يده ثابتة محترفة نفس اليد التي لم تعرف يوما كيف تمس قلبي شعرت بتناقض جارح كرهت احتياجي له وكرهت أكثر أن جزءا مني شعر بالأمان رغم كل شيء.
أعطى أوامره بسرعة صوته عاد قويا متحكما كأنه يستعيد سيطرته على العالم بينما أنا أفقد السيطرة على جسدي على أنفاسي على خوفي وعلى ذكريات حاولت دفنها ولم تنجح.
بين موجات الألم عادت صور الماضي خروجي من بيته صمته المتعالي نظرته التي كانت تقول إنني عبء وإن مشاعري مبالغة وإن ضعفي لا يليق برجل مثله رجل لا يرى إلا نفسه.
لم أخبره بالحمل لم أرده أن يشعر بأنه انتصر مرة أخرى اخترت الوحدة على أن أعود مكسورة اخترت الصمت على أن أراه يقرر مصيري لكن القدر كان له رأي آخر قاس مباشر لا يعرف الرحمة.
عندما بدأوا بدفعي نحو غرفة الولادة شعرت بأن العالم يضيق الضوء ساطع الأصوات أعلى قلبي أسرع وهو هناك قريب أكثر مما أحتمل بعيد أكثر مما
أحتاج حاضر دون أن يكون معي.
قبل أن يغلق الباب التقت عيوننا للحظة لم يقل شيئا ولم أقل شيئا لكن كل ما لم يقال كان أثقل من الكلام سؤال وصدمة وشيء يشبه بداية لا أملك لها استعدادا.
وأنا أدخل غرفة الولادة فهمت حقيقة واحدة فقط واضحة كالألم في بطني هذه الولادة لن تخرج طفلا فقط بل ستجبرنا على مواجهة غرور قديم وجرح لم يلتئم وحكاية لم تنته.
دخلت غرفة الولادة كأنني أدخل اعترافا إجباريا الضوء الأبيض كان قاسيا يكشف كل شيء جسدي ضعفي خوفي ولا يترك لي مساحة للاختباء أو التماسك أو حتى الكذب على نفسي.
ثبتوني على السرير أصوات الأجهزة تحيط بي كل صوت له معنى كل رقم يعلن حقيقة لا أستطيع الهروب منها الوقت يضغط والرحم يطالبني بأن أكون أقوى مما أشعر وأهدأ مما أقدر.
كنت أتنفس كما قالوا لي شهيق طويل زفير أبطأ لكن جسدي لم يكن يستمع الألم كان له إيقاعه الخاص موجات تضربني بلا إنذار كأنها تذكرني بأن السيطرة وهم وأن الغرور لا ينفع هنا.
سمعته يدخل الغرفة لم أحتج أن أراه صوته سبق خطواته واثق حاد يحمل تلك النبرة التي طالما جعلتني أشعر أنني أقل أنني دائما أبالغ وأن مشاعري عبء ثقيل.
كان يتحدث مع الفريق حولي كقائد يعرف طريقه يوزع التعليمات يحدد القرارات بينما أنا مستلقية أفتح ساقي للحياة وأغلق قلبي عن الماضي محاصرة بين الألم والذاكرة.
نظرت إلى السقف حاولت ألا ألتفت نحوه وجوده أربكني ليس لأنه قوي بل لأنه لا يشعر نفس
البرود نفس التعالي نفس الرجل الذي يظن أن العالم يعمل بعقله فقط.
قالوا إن الوضع معقد إن الولادة مبكرة إن النزيف خطر الكلمات دخلت أذني وخرجت بلا أثر كل ما شعرت به كان جسدي ينقسم وكأنني أعاد تشكيل نفسي بالقوة.
صرخت لم أعد أملك القدرة على التماسك الألم كسرني فضح ضعفي وعندما صرخت شعرت بنظرة سريعة منه نظرة لم تكن قلقا بل انزعاجا كأن صوتي يخلخل نظامه المثالي.
طلب مني أن أهدأ قالها بنبرة الطبيب لا الزوج نبرة الأمر لا الاحتواء وكأنني آلة تحتاج إلى ضبط لا امرأة تمر بأقسى لحظة في حياتها فزاد غضبي وزاد ألمي.
تساءلت بين نفسي هل كان يرى ضعفي دائما كخطأ هل كان يكره اللحظات التي أحتاجه فيها هل كان غروره يمنعه من أن يشعر بالآخرين أم أنه لم يتعلم ذلك أبدا
انقباضة جديدة اجتاحتني أشد من السابقة شعرت بأنني أختفي داخل جسدي وأن العالم كله ينكمش حول هذا الألم وأنني إن لم أصرخ الآن سأموت صامتة كما عشت.
شددت قبضتي على الملاءة أظافري غرست في القماش ودفعت كما قالوا لي دفعت بكل ما في ليس فقط الطفل بل الغضب الخوف السنوات التي ضيعتها وأنا أشرح نفسي له.
سمعته يرفع صوته قليلا توتره ظهر أخيرا غروره تصدع للحظة كأن السيطرة تفلت من يده تلك اللحظة كانت صغيرة لكنها كافية لتشعرني بأنني لست ضعيفة كما كنت أظن.
قالوا إن الرأس بدأت تظهر قالوا إنني قريبة لكن القرب كان مؤلما مرعبا كأن النهاية ليست خلاصا بل مواجهة أخيرة مع
جسدي ومعه ومع كل شيء لم يحل.
بكيت
تم نسخ الرابط