دخلت تولد، واتفاجأت بطليقها قدامها… وهو آخر واحد يعرف إنها حامل
دون صوت دموعي سالت بصمت لم أرد أن يراها لم أرد أن يظن أنه انتصر مرة أخرى حتى وأنا على هذا السرير كنت أقاومه أقاوم صورته في داخلي.
دفعت مرة أخرى صرخت هذه المرة بلا خجل بلا حساب شعرت بتمزق بحرقة ثم فراغ مفاجئ صمت غريب سبق الصوت الذي انتظرته دون أن أدرك.
ثم سمعت الصرخة.
صرخة صغيرة حادة حقيقية اخترقت كل شيء الألم الغرفة الماضي الصرخة التي قالت إنني نجوت وإن جزءا مني خرج إلى العالم رغم كل الصعوبات.
في تلك اللحظة لم أعد أراه لم أعد أفكر فيه كل تركيزي كان على ذلك الصوت على هذا الكائن الذي لم يختر أباه لكنه اختارني أو ربما اخترناه لبعضنا.
قالوا إن الطفل بخير قالوا إنني بخير لكن كلمة بخير بدت كذبة مهذبة جسدي كان منهكا وقلبي مثقلا وروحي معلقة بين الماضي وما سيأتي.
رأيته يحمل الطفل للحظة نظرة ارتباك صادقة ظهرت أخيرا يديه لم تكونا واثقتين كما كانت مع الأدوات الغرور تراجع وحل محله شيء يشبه الخوف.
أدار وجهه سريعا كأنه لا يريد أن يرى أو لا يريد أن يشعر وعرفت حينها أنني اتخذت القرار الصحيح عندما رحلت بعض الرجال لا يتحملون ثقل الحياة عندما تصبح حقيقية.
أغمضت عيني استسلمت للتعب لكن داخلي
استيقظت بعد ساعات أو ربما دقائق الزمن كان مفككا جسدي مثقل ورأسي يدور لكن أول ما شعرت به كان الفراغ ذلك الفراغ الذي يتركه الألم عندما ينسحب فجأة.
الغرفة كانت هادئة على غير المتوقع الضوء خافت الأجهزة أقل صخبا وكأن العالم قرر أن يمنحني هدنة قصيرة بعد معركة لم أطلبها ولم أكن مستعدة لها بهذا الشكل.
حركت رأسي ببطء شعرت بوخز في كل جزء مني لكن قلبي كان الأسرع استيقاظا يبحث يتساءل أين هو الطفل أين الحقيقة وأين ذلك الرجل الذي ظن نفسه أقوى من كل شيء.
سمعت صوتا قريبا ليس رسميا هذه المرة لا يشبه صوت الطبيب الواثق بل رجل متردد يقف عند حافة شيء لا يعرف كيف يدخله دون أن يجرح نفسه.
كان يقف هناك قرب الحائط ذراعيه متشابكتان كتفاه منحنيتان قليلا كأن غروره الثقيل وجد أخيرا مكانا يضعه فيه أو كأنه سئم حمله وحده.
لم ينظر إلي فورا وكأن عينيه تخشيان المواجهة وعندما فعل لم أر ذلك الرجل الذي كان يعلمني كيف أتكلم وأصمت بل شخصا متعبا منكسرا لأول مرة بلا درع.
قال اسمي بصوت منخفض مجرد محاولة لا نداء
لم أرد فورا الصمت كان أمانا مؤقتا كنت أعرف أن أي كلمة ستفتح بابا وأنا لم أقرر بعد إن كنت أملك القوة لعبوره دون أن أفقد نفسي مرة أخرى.
اقترب خطوة ثم توقف كأنه تذكر فجأة أنني لم أعد ملكه وأن المسافة بيننا لم تعد تقاس بالخطوات بل بالكسور التي تركناها في بعضنا.
قال إنه لم يكن يعرف وإنه لو عرف لما تركني أواجه هذا وحدي وإن غروره أعماه وإنه ظن أن القوة تعني السيطرة لا الاحتواء فسمعته لكنني لم أبتلع الكلمات بسهولة.
كم مرة سمعت اعتذارات متأخرة
كم مرة جاء الفهم بعد الخراب
نظرت إليه أخيرا نظرة ثابتة لا غاضبة لا ضعيفة فقط صادقة وقلت إنني لم أرحل لأنني لم أعد أحبه بل لأنني تعبت من أن أشرح نفسي لشخص لا يسمع.
رأيت الدموع تتجمع في عينيه دموع لم أكن أتصور أنه يسمح لها بالظهور ربما لأن الغرفة لم تعد مسرحه ولم أعد جمهوره ولم يعد هناك شيء يخسره أكثر.
قال إن الطفل غيره وإنه شعر بذلك عندما حمله وإنه خاف خاف لأول مرة من أن يفشل ومن أن يكرر أخطاءه ومن أن يخسر شيئا لم يمنح له فرصة بعد.
وضعت يدي
قلت له إن المصالحة لا تعني العودة وإن الندم لا يمحو ما حدث وإنني لم أعد المرأة التي كانت تنتظر التغيير بل أم تفكر في الأمان قبل أي شيء.
هز رأسه ببطء وكأنه يتقبل حكما يعرف أنه مستحق وقال إنه لا يطلب الغفران بل الفرصة لا ليكون زوجا بل ليكون حاضرا إن سمحت له.
سكتنا طويلا صمت مختلف هذه المرة صمت لا يحمل عداء بل أسئلة مفتوحة ومساحة جديدة لم تدنس بعد بالتوقعات أو الأوامر.
عندما أدخلوا الطفل إلي كل شيء تغير حملته بين ذراعي شعرت بثقله الخفيف بأنفاسه بوجوده الحقيقي وفهمت أنني لم أعد وحدي كما كنت.
نظر إلينا من بعيد لم يقترب احترم المسافة وتلك كانت المرة الأولى التي يفعل فيها الشيء الصحيح دون أن يطلب منه.
في تلك اللحظة لم أقرر شيئا نهائيا لم أعده بشيء ولم أغلق الباب فقط تركته مواربا لأن بعض القصص لا تغلق بل تعاد كتابتها بحذر.
عرفت أنني قوية لا لأنني تحملت الألم بل لأنني تعلمت أن أختار نفسي وأطفالي ومستقبلي حتى لو كان ذلك يعني أن المصالحة ستكون بطيئة أو مختلفة أو ناقصة.
لكنها لأول مرة ستكون حقيقية.