عندما حُكم على 740 طفلاً بالبحر ورد العالم بـ "لا"، لم يرد سوى رجل واحد بـ "نعم".
في الميناء.
اقتربت ببطء كأنها لا تصدق أنها سمح لها بالوصول.
نزل الأطفال واحدا تلو الآخر
أجساد هزيلة وجوه شاحبة
ضعفاء إلى درجة أنهم بالكاد استطاعوا البكاء.
كانوا قد تعلموا مبكرا وقسريا
ألا ينتظروا شيئا من أحد.
وكان المهراجا هناك.
يرتدي ثيابا بيضاء بسيطة
وقف لا كحاكم بل كإنسان.
ركع أمامهم لينظر في أعينهم على مستواهم
وقال لهم عبر المترجمين كلمات لم يسمعوها منذ سنوات طويلة
لم تعودوا أيتاما.
أنتم أطفالي الآن.
أنا بابوكم.
والدكم.
لم يبن لهم مخيما للاجئين لم يحيطهم بأسلاك أو خيام مؤقتة.
بل بنى لهم بيتا. بيتا حقيقيا.
في بلاتشادي ولدت بولندا صغيرة على أرض هندية.
بيوت تشبه بيوتهم.
فصول دراسية بلغتهم.
حدائق مفتوحة.
أغان من طفولتهم البعيدة.
وشجرة كريسماس تقف تحت سماء
لكنها احتضنتهم كما لو كانت تعرفهم منذ زمن.
قال المهراجا بوضوح
المعاناة تحاول أن تمحوهم.
لكن لغتهم وثقافتهم وكرامتهم أشياء مقدسة.
ولمدة أربع سنوات كاملة بينما كان العالم ينهار من حولهم لم يعش هؤلاء الأطفال كلاجئين بل كعائلة.
كان يزورهم باستمرار. يتذكر أسماءهم واحدا واحدا. يحتفل بأعياد ميلادهم. يجلس مع من ما زالوا يبكون آباءهم.
يواسيهم ويستمع ويصبر.
وكل ذلك لم يمول من دولة ولا من مؤسسة بل من ثروته الشخصية.
عندما انتهت الحرب وحان الوداع بكى كثيرون فبلاتشادي لم يكن مجرد مأوى بل كان الوطن الوحيد الذي عرفه أولئك الأطفال وسط عالم انهار من حولهم.
في الساحة الواسعة وقف الأطفال بحقائب صغيرة ووجوه شاحبة يحدقون في الأبواب المغلقة غير مصدقين أن الأمان يمكن أن يكون مؤقتا وأن
كانت الجدران ما تزال تحمل آثار القصف والهواء مشبعا برائحة الخوف القديم لكن المكان احتفظ بشيء من الطمأنينة زرعه رجل آمن بأن الرحمة قد تهزم الخراب.
في الليلة الأخيرة خرج الملك بهدوء دون موكب أو حرس وسار بين الأسرة الفارغة متأملا وجوها نامت مطمئنة لأنها صدقت وعدا غير مكتوب.
لم يوقظ أحدا واكتفى بنظرة طويلة كأنما أراد أن يحفظ ملامحهم في ذاكرته قبل أن يسلمهم لعالم لا يعرف إن كان سيحسن استقبالهم.
مع بزوغ الفجر بدأت الرحلة تحركت السفن ببطء والبحر بدا شاسعا وباردا بينما تعلقت قلوب الأطفال بمكان قرروا ألا ينسوه.
كان كل واحد منهم يحمل بلاتشادي داخله في ذكرى أو عادة أو حلم صغير كأن الوطن يمكن أن يطوى ويحمل في الصدر.
مرت السنوات وصارت الحرب حكاية بعيدة وكبر الأطفال وتفرقت بهم الطرق فصار
تعلموا كيف يزرعون الطمأنينة في غيرهم لأن أحدا فعل ذلك معهم يوما حين كان العالم قاسيا والنجاة امتيازا نادرا.
في بولندا سميت الساحات والمدارس باسم جام صاحب ديغفيجاي سينغجي وتلقى أعلى الأوسمة وخلد اسمه في السجلات الرسمية.
غير أن إرثه الحقيقي لم يكن في التماثيل ولا في الألقاب بل في الحيوات التي استمرت بعدما كان الفناء أقرب من الغد.
سبعمئة وأربعون إنسانا عاشوا أحبوا وأنجبوا وتركوا أثرهم لأن رجلا واحدا قرر أن يتقدم خطوة حين تراجع الآخرون.
وما زالت القصة تروى للأحفاد في ليال هادئة بصوت منخفض كأنها وصية عن الشجاعة التي لا تحتاج سلاحا.
يقولون إن العالم أغلق أبوابه وإن البحر كان مليئا بالأطفال الضائعين وإن ملكا نظر إليهم دون تردد أو حساب.
وقال ببساطة كما يقول الآباء
إنهم أطفالي الآن.
ومنذ ذلك اليوم صار معنى الوطن أوسع من الجغرافيا وصارت الرحمة فعلا قادرا على إنقاذ العالم حياة بعد حياة.