في عام 1979، رجل واحد غيّر مصير تسع فتيات… واليوم العالم لا يصدق ما أصبحن عليه

لمحة نيوز

عندما بلغت الفتيات الثانية عشرة من العمر شعر ريتشارد لأول مرة بخوف مختلف عن الجوع أو الفواتير غير المدفوعة. كان خوفا صامتا ينخر فيه من الداخل كلما رآهن ينظرن في المرآة أو عندما تعود إحداهن من المدرسة بعيون حزينة وصوت خافت.
نشر بتاريخ فبراير 2026 بقلم كلارا
عندما بلغت الفتيات الثانية عشرة من العمر شعر ريتشارد لأول مرة بخوف مختلف عن الجوع أو الفواتير غير المدفوعة. كان خوفا صامتا ينخر فيه من الداخل كلما رآهن ينظرن في المرآة أو عندما تعود إحداهن من المدرسة بعيون حزينة وصوت خافت.
في ذلك العام عادت سارة إلى المنزل ذات يوم بشفة متشققة. قالت إنها سقطت أثناء الجري. لم يصدقها ريتشارد لكنه لم يضغط عليها أيضا. انتظر. لقد تعلم من خلال تربية تسع بنات أن الحقيقة غالبا ما تحتاج إلى مكان آمن قبل أن تظهر.
في تلك الليلة بعد العشاء حين رفعت الأطباق وعمت رائحة الصابون الرخيص أرجاء الشقة بقيت روث على المائدة تعبث بمنديلها. جلست ليا التي كانت تستشعر ما لا يرى بجانبها. تبادلت نعمي وإستير النظرات في صمت. ظلت راحيل تحرك ساقها بعصبية. أما ديبورا الصغرى فكانت تعانق دمية بلا عيون.
اقترب ريتشارد بهدوء وجلس أمامهم.
قالت يا فتيات في هذا المنزل لا عيب في الشعور بالألم. إذا آذاكم أحد أريد أن أعرف.
ساد صمت طويل كصمت أثقل من صرخة. ثم ابتلعت سارة ريقها ونطقت بالعبارة التي غيرت طفولتها
أبي... قالوا إننا لسنا أبناءك. وأننا... مجرد تجربة.
قبضت مريم على يديها. حدقت حنة في الأرض. عضت إستير شفتها حتى كادت تنزف.
من قال ذلك سأل ريتشارد وهو يكبح غضبه حتى لا يخيفهم.
همست راشيل أطفال فريق كرة القدم. و... أم كانت خارج المدرسة. رأتنا

نركب شاحنتك وقالت إن الأمر مقرف.
أغمض ريتشارد عينيه. وللحظة انتابه شعور قديم رغبة عارمة في حمايتهم بجسده كما فعل حين كانوا رضعا. لكن الآن لم يعد يكفي مجرد احتضانهم كان عليهم أن يتعلموا كيف يسيروا في عالم سيحاول سلبهم حقهم في الوجود بكرامة.
رفع رأسه فرآهم تسعة أزواج من العيون تنتظر إجابة بوصلة.
قالت بحزم اسمعنني. أنتن لستن تجربة. أنتن لستن فكرة غريبة. أنتن لستن أخبارا. أنتن بناتي. انتهى الأمر. وإذا أصر العالم على الجدال حول هذا فهذه مشكلة العالم وليست مشكلتكن. لستن مضطرات لتبرير قيمتكن.
اقتربت ليا اللطيفة دائما وأمسكت بيده.
لكن لماذا يكرهوننا همس.
شعر ريتشارد بثقل ذلك السؤال كحجر على صدره. لم يرغب في الكذب عليهم لكنه لم يرغب أيضا في تسميم أفكارهم.
أجابت لأن بعض الناس يحتاجون إلى الإيمان بأن للحب حدودا وأن العائلة لا ترى إلا من منظور واحد. وعندما تظهر عندما تكون موجودا تثبت خطأهم. وهذا يخيفهم. لكن خوفهم ليس ذنبهم.
مسحت نعومي دموعها بظهر يدها.
قالت بنبرة تحد أريد أن أكون قوية. أريدهم أن يندموا على كلامهم يوما ما.
ابتسم ريتشارد بفخر.
إذن سيكونون كذلك. ولكن ليس لإثبات أي شيء لهم بل لإثبات شيء لأنفسكم.
منذ تلك الليلة غير ريتشارد مسار حياته. حتى ذلك الحين كان يعيش من أجل البقاء. أما الآن فسيعيش ليهيئ بناته لمستقبل يتطلب أكثر من مجرد الخبز.
بدأ بالأساسيات كان يصطحبهم إلى المكتبة كل سبت. كانوا يطلبون كتبا عن التاريخ وعن النساء الشجاعات وعن الموسيقى والعلوم والشعر. علمهم ريتشارد كيف يكتبون الرسائل وكيف يناقشون دون صراخ وكيف يحافظون على التواصل البصري دون اعتذار.
وربما الأهم من ذلك كله أنه
علمهم فكرة أخبرته بها آن ذات مرة عندما كانت لا تزال على قيد الحياة الكرامة شيء تتعلم الدفاع عنه قبل أن تحتاج إلى ذلك.

بمرور الوقت وجدت الفتيات أصواتهن.
سارة صاحبة الضحكة المعدية اكتشفت أن ضحكتها لم تكن مجرد فرح بل كانت صمودا. بدأت بالمشاركة في نادي التمثيل. صعدت إلى المسرح لأول مرة وهي ترتجف ولكن عندما تحدثت ملأ صوتها القاعة. لم يمح التصفيق جراحها ولكنه منحها يقينا بإمكانها تحويل الألم إلى فن.
وجدت روث الخجولة والمتشبثة بقميص ريتشارد عندما يكون الغرباء حولها ملاذا في الحيوانات. تطوعت في عيادة بيطرية صغيرة في المدينة. لم تطلب منها الكلاب المريضة أن تكون شجاعة بل طلبت منها فقط أن تكون لطيفة. وكانت روث لطيفة كالهواء.
وجهت نعومي وإستير الشريكتان في الجريمة طاقتهما نحو الرياضة. كانتا تجريان وكأن الريح تهب عليهما. عندما قال لهما أحدهم إن الفتيات السوداوات لا يملكن انضباطا فازتا بالمركز الأول في سباق 800 متر. ثم فازتا به مرة أخرى. ومرة أخرى.
وجدت ليا الوسيطة في الكتب عالما تكون فيه التعاطف قوة. كتبت سرا قصصا عن منزل مليء بالأخوات اللواتي أنقذن والدهن من الحزن. وفي كل صفحة كانت تشفي جزءا من نفسها.
أصبحت ماري الهادئة والعازمة مهووسة بالرياضيات. أحبت المنطق لأنه لا يميز بين أحد. اثنان زائد اثنان يساوي دائما أربعة. بدأت بإصلاح أجهزة الراديو القديمة ثم أجهزة التلفاز. راقبها ريتشارد بفخر وأيضا بألم لذيذ لم تكن بحاجة إلى إذن لتتألق.
اكتشفت هانا وهي امرأة حنونة شغفها بالتمريض عندما أصيبت إحدى شقيقاتها بالتهاب رئوي فسهرت طوال الليل تراقب حرارتها. وقالت لريتشارد أريد أن أعرف كيف أساعد حقا.
كانت رايتشل مندفعة
وعاطفية فوجدت مكانتها في مناظرات المدرسة. فإذا ما نعتها أحدهم بالمتبناة كإهانة كانت ترد بحجج قوية تذهل المعلمين. كانت سريعة الغضب لكن ريتشارد علمها كيف تحول هذا الغضب إلى نور.

بدت ديبورا الصغرى هشة لكن ذلك لم يكن سوى وهم. كانت الأكثر ملاحظة. رأت ما غفل عنه الجميع. ذات يوم في سوق للسلع المستعملة عثرت على كاميرا قديمة واشترتها بخمسة دولارات. بدأت بتصوير كل شيء المنزل يدي والدها ضفائر أخواتها غروب الشمس على الشارع المترب. كانت عينها مرآة تكشف الجمال حيث يرى الآخرون الفقر.
بعد سنوات سيتذكر ريتشارد تلك الفترة باعتبارها الأصعب والأجمل في آن واحد. لأنه لم يكن يربيهم فحسب بل كان يشاهدهم وهم يطورون شخصياتهم.
لكن الحياة لا تسمح بأن يكون النمو خطيا. لقد جاءت فترة المراهقة مصحوبة بنكسات.
في أحد فصول الشتاء فصل ريتشارد من المصنع. قالوا تسريح من العمل. في الحقيقة لم يكن رئيس العمال يطيق رؤيته يصل وعيناه متعبتان ويتحدث عن بناته التسع وكأنهن كنز لا عبء. لم يتذمر ريتشارد بل كظم غيظه وقبل بأي وظيفة وجدها.
كانت هناك أيام لم يكن فيها مال كاف للتدفئة. ذهبت الفتيات إلى الفراش وهن يرتدين معاطفهن. استيقظ ريتشارد قبل الفجر ليقطع الحطب من الأشجار المتساقطة. أصبح ظهره أكثر انحناء من المعتاد. وتشققت يداه.
في إحدى الليالي ظن ريتشارد أن الفتيات نائمات فجلس على الشرفة وبكى بصمت. بكى على آن وعلى الزمن وعلى الظلم وعلى خوفه من عدم قدرته على تحمل كل ذلك.
لكن ديبورا الطفلة الصغيرة كانت قد تبعته. بقيت خلف الباب تراقب. وبدلا من أن تتكلم خرجت ووضعت بطانية على كتفيه. ثم جلست بجانبه دون أن تنبس ببنت شفة.
حاول ريتشارد وهو يشعر بالحرج
مسح دموعه.

لا أريدك أن تريني هكذا يا ديب.
نظرت إليه بجدية لا تتناسب مع سنها.
أبي... أنت دائما تقول لنا إن الألم ليس عيبا.
وقف
تم نسخ الرابط