قبل تنفيذ حكم الإعدام، همست طفلته ذات الـ8 سنوات بكلمات صدمت الحراس
أتوقعه من طفلة نظرة صادقة اخترقت خوفي وأشعلت داخلي يقينا مرتجفا بأن الحقيقة أخيرا وجدت طريقها إلى الضوء.
نهضت فجأة بقوة لم أعرف مصدرها فاصطدم الكرسي بالأرض وتراجع الحراس خطوة مذعورين بينما كان قلبي يندفع بعنف كأن الحياة عادت تركض في عروقي دفعة واحدة.
صرخت دون وعي بصوت مزق الصمت الثقيل أنا بريء! أستطيع إثبات ذلك الآن! اسمعوني أرجوكم لا تدفنوا الحقيقة مرة أخرى.
اندفع الحراس إلى الداخل مقتنعين أنني أقاوم لحظاتي الأخيرة لكن الحقيقة كانت أبسط وأقسى لم أرفع يدي لم أصرخ فقط انهرت باكيا بكاء متشققا يشبه اعترافا متأخرا بالحياة التي تتسرب من بين أصابعي ببطء.
لم يقترب أحد فورا التردد ملأ الغرفة نظرات ثقيلة تفتش وجهي تبحث عن خدعة عن تمثيل يائس بينما كنت أغرق أكثر أتنفس بصعوبة وأشعر أن الدقائق المتبقية لم تعد زمنا بل وزنا جاثما على صدري.
كان الصمت أعلى من الأوامر والوجوه حولي جامدة كالجدران لكن شيئا غير مرئي تبدل لم تعد اللحظة إجراء روتينيا بل ارتباكا إنسانيا خفيا كأن الشك تسلل أخيرا إلى مكان لم يعرف سوى اليقين القاسي سابقا.
راقبني الضابط طويلا دون أن ينطق عيناه ثابتتان تقرآن ما وراء الدموع وكأنهما تلتقطان تفصيلة صغيرة غابت لسنوات تفصيلة كافية لزعزعة قصة كاملة بنيت بإحكام حول اسمي وجرمي المفترض.
في داخله كان الصراع يتشكل بين
خلال أقل من ساعة حدث ما لم أتخيله يوما قرار مفاجئ محفوف بالمخاطر أوقف العد التنازلي وفتح نافذة زمنية ضيقة نافذة لا تشبه الرحمة بقدر ما تشبه فرصة أخيرة لمراجعة الشك المتأخر.
سمعت كلمات متقطعة مكالمة عاجلة ونبرة رسمية تخفي ارتجافا واضحا طلب بتأجيل التنفيذ لاثنتين وسبعين ساعة زمن بدا ضئيلا للعالم لكنه داخلي تمدد كهواء نادر يتسلل إلى صدر أنهكه الانتظار الطويل.
جاء السؤال الحتمي عبر الهاتف باردا ومباشرا ما الذي تغير الآن أي دليل يبرر هذا التأجيل ولماذا في هذه اللحظة تحديدا بينما كان الجواب يتكون بهدوء متوتر داخل غرفة مشحونة بالصمت.
قيل بصوت منخفض لكنه حاسم شهادة جديدة ظهرت شهادة طفل يقول إنه شاهد القاتل الحقيقي.
على بعد مئات الأميال أمام شاشة تلفاز عادية توقفت يد مرتجفة فوق فنجان قهوة خبر عاجل أعاد فتح جرح قديم جرح مهني وإنساني ظل نائما لسنوات ينتظر لحظة تشبه اعتذارا متأخرا.
استيقظت ذاكرة ثقيلة دفعة واحدة قضية بعيدة رجل لم ينقذ خطأ لم يصحح وإحساس دائم بأن العدالة أحيانا تتأخر وأحيانا لا تصل وأن الندم قادر على العيش أطول من الأحكام نفسها.
عندما التقت العينان بالصورة على
في غضون ساعات أخبرتني المحامية الخاصة بي أنها عادت إلى ملف قضية مقتل زوجتي ذلك الملف الذي ظل مغلقا لخمس سنوات كأنه قبر آخر لا يفتح.
قالت إن ما وجدته هناك لم يكن مريحا بل كافيا لإيقاظ شكوك ثقيلة ظلت نائمة تحت ركام الإجراءات والتقارير الرسمية.
اكتشفت أن المدعي العام الذي حصل على إدانتي والذي أصبح لاحقا قاضيا كانت له علاقات تجارية شخصية مع شقيقي الأصغر الذي ورث معظم تركة والدينا بعد وقت قصير من اعتقالي.
والأغرب كما قالت لي بصوت متوتر أن زوجتي كانت تفتش في السجلات المالية والوثائق القانونية خلال الأسابيع التي سبقت موتها المفترض.
منذ تلك اللحظة بدأت تربط النقاط التي لم يرغب أحد آخر في رؤيتها أو حتى الاعتراف بوجودها.
في غضون ذلك أخبرتني أن صغيرتي توقفت عن الكلام تماما بعد زيارتي وأنها في دار الرعاية لم تستخدم الكلمات بل احتمت بالرسومات خطوط وألوان تحمل ما عجز عنه صوت صغير مثقل بالخوف.
قالت إن رسمة واحدة برزت بين البقية منزل صامت امرأة على الأرض رجل بقميص أزرق وطفلة تختبئ في الردهة مشهد بسيط ظاهريا لكنه يضغط على القلب كحقيقة مؤجلة.
لم أمتلك يوما قميصا أزرق هذه تفصيلة أعرفها كما أعرف
لا يرتدي غيره تقريبا لون تكرر حتى صار علامة لا تخطئها ذاكرة طفلة.
وقبل أقل من ثلاثين ساعة على لحظة النهاية جاءها اتصال من رجل غاب خمس سنوات قال إنه رأى ما حدث تلك الليلة وإن ما نجهله أكبر بكثير مما سمح لنا بتصديقه.
ما كشفه قلب الرواية رأسا على عقب زوجتي لم تمت وجدها تنزف وتتنفس بصعوبة ساعدها على الهرب بينما استخدمت جثة مجهولة وسجلات مزورة لتزييف موت بدا رسميا وكاملا.
كانت مختبئة طوال تلك السنوات تنتظر لحظة آمنة للكلام ولم تكن وحدها احتفظت بتسجيلات أصوات واضحة لتهديدات ولمناقشات باردة حول التعامل معي ومع طفلتي أدلة لا تحتمل التأويل.
عندما وصلت المحامية إلى المنزل الآمن وقفت وجها لوجه أمام امرأة اعتقد العالم أنها تحت التراب امرأة حية منهكة لكنها مستعدة أخيرا لقول كل شيء أمام المحكمة.
عدت إلى زنزانتي بانتظار ما سيأتي لكن للمرة الأولى منذ أعوام تمدد داخلي هدوء غريب لأن الهمسة التي سمعتها سابقا صارت الآن حقيقة كاملة لا لبس فيها.
خلال أربع وعشرين ساعة قدمت طلبات عاجلة مدعومة بالتسجيلات والسجلات والتقييمات فتوقف التنفيذ إلى أجل غير مسمى وتهاوت اتهامات بنيت بثقة لسنوات في أيام قليلة.
انهارت خمس سنوات من الأكاذيب سريعا وفي قلب العاصفة بقيت صورة طفلة صغيرة وجدت أخيرا الشجاعة لتهمس بما عجز عنه الجميع أحيانا